الوحدة الوطنية .. من عبقرية التأسيس إلى إلى رهانات التجديد

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

في ذكرى الوحدة الوطنية، نتقدم بأسمى عبارات التهنئة إلى الشعب الصحراوي قاطبة، في كل مواقع تواجداته، مستحضرين واحدة من أعظم المحطات في تاريخه المعاصر، تلك اللحظة الفارقة التي أدرك فيها أن مصيره المشترك أكبر من مخلفات الاستعمار، وأن وحدة الصف ليست مجرد فضيلة اجتماعية، بل ضرورة تاريخية وشرط أساسي لصون الهوية الوطنية، ومواجهة الأطماع الاستعمارية، وشق الطريق نحو الحرية والاستقلال وبناء الدولة المنشودة.
إن استحضار هذه الذكرى لا يستمد أهميته من رمزية الحدث وحدها، بل من المكانة التي تحتلها الوحدة في مسيرة الشعب الصحراوي، باعتبارها الخيط الناظم بين ماضيه النضالي وحاضره السياسي ومستقبله الوطني، فالوحدة الوطنية ليست شعارا موسميا تستحضره المناسبات، ولا مجرد استجابة لظرف عابر، وإنما هي فلسفة وجود وخيار تاريخي ومشروع تحرري تأسس على الوعي بوحدة المصير، وعلى إرادة جماعية قررت أن تجعل من الشعب الصحراوي قوة سياسية واجتماعية قادرة على إفشال اتفاقية مدريد المشؤومة، والدفاع عن حقوقه في تقرير المصير وبناء دولته المستقلة.
ولعل فهم عمق هذا الخيار يقتضي العودة إلى طبيعة المجتمع الصحراوي، وإلى التحدي الذي واجهته الثورة في تحويل الروابط الاجتماعية والثقافية المشتركة إلى وحدة وطنية واعية، تتجاوز حدود الانتماءات الجزئية نحو رحاب المشروع الوطني الجامع.
فالمجتمع الصحراوي، يتميز بوحدة الانتماء الديني واللساني والثقافي، وبخصوصية الهوية العربية الصحراوية التي صاغتها قرون من التفاعل بين الإنسان والأرض، وبين أنماط العيش والتقاليد والأعراف المشتركة، غير أن هذه المقومات، على أهميتها، لم تكن وحدها كافية لتأسيس وحدة وطنية بالمعنى السياسي الحديث، إذ قد تتعايش وحدة الثقافة واللسان والوجدان مع تنافسات قبلية وولاءات ضيقة وتباينات جهوية، متى غاب المشروع السياسي القادر على توجيهها نحو غاية مشتركة.

ومن هنا تحديداً برزت أهمية التجربة الصحراوية، إذ لم تكتفِ الثورة باستدعاء عناصر التشابه بين الصحراويين، بل سعت إلى تحويلها إلى رابطة سياسية واعية، وإرادة جماعية تتقدم فيها الهوية الوطنية على الانتماءات الفرعية، وتصبح فيها مصلحة الشعب هي المرجعية العليا التي تنتظم حولها المصالح والاختلافات.

لقد كان التحدي، إذن، أكبر من مجرد جمع الصحراويين حول قواسم مشتركة، فقد تعلق الأمر بإعادة بناء الوعي بالذات الجماعية، ونقل المجتمع من منطق الولاءات المتعددة إلى منطق الانتماء الوطني، ومن التضامن الذي تفرضه القرابة والعشيرة إلى التضامن الذي تقتضيه المواطنة ووحدة المصير، وهذا التحول لم يكن ممكنا من دون رؤية سياسية واضحة، وقيادة ثورية تدرك طبيعة المرحلة ومتطلبات الانتقال من المجتمع إلى الشعب المنظم، ومن الروابط الاجتماعية إلى الكيان الوطني الجامع.

وفي هذا السياق التاريخي، تتجلى المكانة الفكرية والسياسية لمفجر الثورة الصحراوية الشهيد الشهيد الولي مصطفى السيد، الذي أدرك مبكرا أن معركة التحرير لا تبدأ من مواجهة المستعمر في الميدان فحسب، بل تبدأ من بناء الإنسان الوطني، وتحرير الوعي من قيود التجزئة، وتوحيد التصور والهدف والأداة السياسية.
حيث احتلت الوحدة مساحة مركزية في أدبيات جبهة البوليساريو وخطابها السياسي، ولم تكن مجرد شعار تعبوي فرضته ضرورات المواجهة، بل كانت أحد المرتكزات الفكرية التي قامت عليها الثورة الصحراوية. وقد أدرك الشهيد المؤسس الولي مصطفى السيد، ببصيرته السياسية ووعيه بطبيعة المجتمع الصحراوي وتحديات المرحلة، أن تحرير الأرض لا يمكن أن يتحقق من دون تحرير الإرادة الجماعية من قيود التشرذم ومخلفات الاستعمار، وأن بناء الوطن يبدأ ببناء الإنسان المؤمن بانتمائه الوطني، والمستعد لتقديم المصلحة العامة على المصالح الجزئية والسخاء بالروح من أجل حقه.
لقد تجاوز مفهوم الوحدة في رؤية الشهيد الولي حدود الاجتماع الاجتماعي والجغرافي إلى وحدة التصور والفكر والهدف والأداة السياسية، فالمطلوب لم يكن مجرد جمع الصحراويين تحت سقف واحد، بل توحيد رؤيتهم وصياغة إرادة مشتركة حول مستقبلهم، وإيجاد إطار سياسي ينظم طاقاتهم ويوجهها نحو غاية التحرير والاستقلال ومن هذا المنطلق، تكرست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب باعتبارها إطارا وطنيا جامعا ومظلة سياسية ونضالية تسعى إلى احتضان الصحراويين بمختلف مشاربهم، وتعبئة قدراتهم في معركة المصير المشترك.
ولكي تتضح خصوصية هذا التصور، قدم الشهيد الولي رؤية فكررة في التمييز بين وحدة تقوم على رابطة القبيلة أو العشيرة، مهما كانت متانة الروابط التي تجمع أفرادها، ووحدة تقوم على مشروع وطني تتساوى في إطاره الحقوق والواجبات، فالأولى تظل محكومة، في نهاية المطاف، بحدود الجماعة الجزئية ومصالحها، بينما تنفتح الثانية على أفق أوسع، تتكامل فيه المكونات الاجتماعية ضمن كيان سياسي يضمن للجميع المشاركة في بناء المستقبل ويوسع مساحة الحقوق.
لم تكن رؤية الولي، بهذا المعنى، دعوة إلى إلغاء الخصوصيات الاجتماعية أو محاربة الروابط الأسرية والقبلية، وإنما كانت سعيا إلى تحريرها من التحول إلى أدوات للتفرقة، وإدماجها في فضاء وطني أوسع، فالكيان الوطني الجامع لكل الصحراويين، في هذا التصور، ليس بديلا عن المجتمع ومكوناته، بل هو الإطار الذي تنتظم داخله تلك المكونات، وتتحدد من خلاله مسؤولياتها المشتركة، ويصبح الولاء فيه للدولة والقانون والمصلحة الوطنية، لا للقبيلة أو الجهة على حساب بقية أبناء الشعب.
ومن هنا، اكتسب اجتماع عين بنتيلي بعدا يتجاوز مجرد التوافق السياسي إلى بناء وعي جديد بالمسؤولية العامة، قوامه أن مستقبل الفرد لا ينفصل عن مستقبل الجماعة، وأن كرامة المواطن وحقوقه لا يمكن ضمانها بصورة مستدامة إلا في إطار وطني جامع.
فقد جاء لقاء عين بنتيلي التاريخي، في 12 أكتوبر 1975، تتويجا لمسار من الوعي والنضال، ومحطة حاسمة في انتقال الشعب الصحراوي من تشخيص واقع الاستعمار والتجزئة إلى بلورة إرادة سياسية جماعية لبناء المستقبل، ففي تلك اللحظة، لم يكن الصحراويون أمام مجرد اجتماع لتبادل المواقف، بل أمام استحقاق تاريخي فرض عليهم حسم خيارهم بشأن طبيعة الكيان الذي يريدون بناءه، والوسيلة السياسية التي ينبغي أن تنتظم من خلالها جهودهم، والهدف الذي يستحق أن تتوحد حوله طاقاتهم وتضحياتهم.

لقد اجتمع الصحراويون، على اختلاف انتماءاتهم القبلية والجهوية، حول قناعة مفادها أن المرحلة لم تعد تحتمل التردد، وأن معركة التحرير تتطلب شعبا منظما وملتحما، يمتلك قراره ويحدد أهدافه ويصون استقلالية إرادته، وبذلك، شكل اللقاء تجسيدا عمليا للرؤية التي جعلت من الوحدة السياسية أساسا لبناء الكيان الوطني، ومن الجبهة الشعبية الإطار الذي تتجمع فيه الطاقات وتتجه من خلاله نحو غاية مشتركة في الحرية والاستقلال.

ولم يكن هذا التحول موجها إلى الداخل، بل حمل رسالة واضحة إلى القوى الاستعمارية المتربصة وإلى العالم بأسره، ان شعب الساقية الحمراء ووادي الذهب ليس تجمعا من القبائل التي يمكن إعادة توزيعها وفق مصالح القوى الخارجية، ولا أرضا بلا شعب يمكن تقسيمها والتفاوض بشأنها بعيدا عن إرادة أهلها، إنه شعب منظم، له هويته وذاكرته وحقوقه وتطلعاته، وله الحق في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة على غرار بقية شعوب العالم.

وفي هذا السياق، كانت الوحدة رداً سياسيا على سياسة "فرّق تسد"، التي اعتمدتها القوى الاستعمارية لتفكيك المجتمعات وإضعاف قدرتها على المقاومة، فقد أدرك الصحراويون أن التفرقة لا تستهدف إضعاف الروابط بينهم فحسب، بل تسعى أيضا إلى مصادرة قدرتهم على الفعل الجماعي، وتحويلهم إلى مجموعات متنازعة يسهل إخضاعها وتوجيه مصائرها من الخارج.
وهكذا، لم تكن عين بنتيلي مجرد محطة في التسلسل الزمني للأحداث، بل إعلانا عن ميلاد مرحلة جديدة في الوعي الوطني الصحراوي، مرحلة أصبح فيها الشعب هو السيد في قراراته، وتحرير الوطن هو المرجعية، والمشروع التحرري هو الوجهة، والوحدة هي الضمانة السياسية التي تحمي هذا المسار من التفكك والانحراف والصخرة التي تتكسر عليها كل المؤامرات.
لم تمض سوى أسابيع قليلة على لقاء عين بنتيلي حتى دخل الشعب الصحراوي مرحلة بالغة القسوة، مع بدء الاجتياح العسكري المغربي لوطننا، في 31 أكتوبر 1975، في سياق تنفيذ بنود اتفاقية مدريد الثلاثية المشؤومة، وهنا انتقلت الوحدة الوطنية من فضاء التأسيس السياسي إلى ميدان الاختبار الوجودي، إذ لم يعد المطلوب توحيد التصورات والأهداف فحسب، بل حماية الإنسان والأرض، ومواجهة القوة العسكرية الغازية، والحفاظ على تماسك المجتمع في ظل الحرب المريرة والنزوح الجماعي والدمار الذي احرق الأخضر واليابس.
لقد تعرض الشعب الصحراوي لحرب إبادة جسيمة خلال تلك المرحلة، شملت القصف بالنابالم والفسفور، وتدمير التجمعات السكانية، والقتل والاختفاء ووقائع الدفن الجماعي التي بقيت جروحها مفتوحة في الذاكرة الصحراوية، وأمام هذا الواقع، لم تعد الوحدة مجرد قيمة معنوية أو خيار سياسي بعيد المدى، بل تحولت إلى ضرورة للبقاء، وآلية لتنظيم الكفاح و المقاومة وحماية المدنيين وتأمين استمرار المجتمع في مواجهة حرب استهدفت الأرض والإنسان معا.

وفي ميدان المواجهة العسكرية، تصدى الجيش الصحراوي للاجتياح، مستفيدا من معرفته بتضاريس الأرض، وقدرة مقاتليه الاشاوس على الحركة والمناورة، واعتماده أساليب قتالية تتناسب مع طبيعة المعركة وإمكاناته المتاحة، غير أن المقاومة لم تكن محصورة في جبهات القتال، فقد كانت هناك معركة أخرى، لا تقل أهمية، تدور من أجل حماية السكان وتأمين شروط استمرار الحياة في ظل النزوح القسري والظروف الإنسانية القاسية.

فقد انخرط الصحراويون في تأمين النازحين ونقلهم إلى مناطق أكثر أمنا وإنشاء مخيمات لإيوائهم، وتنظيم الخدمات الأساسية، وبناء المؤسسات التعليمية والصحية، وتأسيس الهلال الأحمر الصحراوي، وإدارة شؤون مجتمع اقتلعته الحرب من أرضه وفي ظل شح الإمكانات واستمرار المخاطر، أخذت تتشكل منظومة للصمود تعتمد على المبادرة الذاتية وروح المسؤولية الجماعية، وتحول التضامن الاجتماعي إلى عمل منظم يضمن استمرار الثورة ويحافظ على تماسك و هوية المجتمع حتى تحقيق النصر.
ومن هنا، تتجلى الصلة العميقة بين الوحدة والكفاح، فالكفاح المسلح يحتاج إلى حاضنة شعبية متماسكة، وصمود الشعب يحتاج إلى مؤسسات تنظم حياته وتؤمن الخدمات الأساسية، واستمرار المشروع الوطني يحتاج إلى مجتمع قادر على تحويل المحنة إلى طاقة للبناء، لقد كانت الوحدة هي التي ربطت هذه المستويات بعضها ببعض، ومنحت كل جهد جزئي معناه الوطني الشامل.

وهكذا، تحولت الوحدة الوطنية إلى خط دفاع أول عن الشعب، وإلى قاعدة لاستمرار المشروع التحرري في أصعب الظروف.
وإذا كانت عين بنتيلي قد أعلنت وحدة الإرادة، فإن سنوات الحرب والنزوح أثبتت أن هذه الإرادة الصلبة قادرة على التحول إلى فعل جماعي، وأن الشعب الذي يوحد قراره يستطيع أن يواجه اختلال موازين القوة، ويحافظ على وجوده السياسي والاجتماعي رغم قسوة الظروف وهو ما اثبته الشعب الصحراوي على مدار أكثر من خمسين سنة من الصمود والمقاومة.
لم تنشأ الوحدة الوطنية الصحراوية في فراغ، بل تبلورت في لحظة كانت فيها الأطماع الاستعمارية تتسابق لإعادة رسم مستقبل الصحراء الغربية بعيداً عن إرادة شعبها، فقد شكلت اتفاقية مدريد الثلاثية، الموقعة في 14 نوفمبر 1975 بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا، محطة مفصلية في تاربخ الصحراء الغربية، إذ مهدت لنقل السيطرة على الإقليم وتقاسمها، من دون أن تحقق للشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير.

وفي مواجهة هذا المسار، برزت الوحدة الوطنية باعتبارها صمام الأمان الذي حال دون اختزال القضية الصحراوية في نزاع على النفوذ أو في ترتيبات لتوزيع الأرض. فقد أكد الصحراويون، من خلال التفافهم حول جبهة البوليساريو، أن قضيتهم قضية شعب يطالب بحقه في الحرية والاستقلال، وليست مسألة حدود أو مصالح قابلة للتسوية على حساب إرادته.
وإذا كان الاجتياح العسكري قد استهدف فرض السيطرة على الأرض، فإن الاتفاقيات السياسية التي تجاوزت إرادة الشعب استهدفت، في جوهرها، فرض تسوية تتجاهل حقه في اختيار مستقبله. وفي مواجهة المسارين، العسكري والسياسي، كانت الوحدة هي الضمانة التي حالت دون تحقيق القوى الخارجية اهدافها الاستعمارية خارج إرادة الشعب الصحراوي.
لقد منحت وحدة الصف القضية الوطنية قدرة على الاستمرار، وعلى نقلها إلى المحافل الدولية، وعلى التمسك بمرجعية تقرير المصير باعتبارها الأساس السياسي والقانوني لتسويتها، ومن هنا، فإن الدرس الأبرز الذي تقدمه تلك المرحلة هو أن القوى الخارجية قد تمتلك وسائل الضغط والتدخل، وقد تفرض وقائع عسكرية وسياسية مؤلمة، لكنها لا تستطيع، بمجرد توقيع الاتفاقيات أو إعادة ترتيب موازين القوة، أن تلغي إرادة شعب اختار التمسك بهويته الوطنية وحقه في تقرير مستقبله.
غير أن الصمود في وجه الاجتياح ومقاومة محاولات فرض الأمر الواقع لم يكونا كافيين وحدهما لضمان استمرار المشروع التحرري إذ كان لا بد من إطار سياسي قادر على ترجمة الإرادة الشعبية إلى فعل منظم، وإدارة الصراع على المستويات العسكرية والسياسية والدبلوماسية وهنا تتضح مجدداً أهمية الجبهة الشعبية بوصفها الإطار الذي انتظمت فيه جهود الشعب الصحراوي على امتداد مسيرته النضالية كممثل شرعي ووحيد للشعب الصحراوي.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن المشروع الوطني الذي يستند إلى إرادة جماعية أقدر على الصمود من المبادرات التي تقوم على الولاءات الجزئية أو الحسابات الشخصية، فخلال مسيرة الكفاح الوطني، قدم الاستعمار تنظيمات ومشاريع متعددة ادعت تمثيل الصحراويين أو تقديم بدائل لقضيتهم، لكن الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ظلت الإطار الوحيد الذي ارتبط به مسار الثورة التحررية وجسد إرادة الشعب الصحراوي في معركة التحرير والاستقلال.
ولم تكن أهمية هذا الإطار نابعة من مجرد وجوده كتنظيم سياسي، بل من قدرته على تحويل الالتفاف الشعبي إلى عمل مؤسساتي منظم على مختلف الجبهات ، عسكري وسياسي ودبلوماسي، فقد أسهم الكفاح السلح في إرغام موريتانيا على الانسحاب من الحرب وتوقيع اتفاق السلام مع الجبهة عام 1979، كما فرض حضور الجمهورية الصحراوية على الواجهة الدبلوماسية من خلال اعتراف اكثر من 80 دولة وعضوية منظمة الوحدة الإفريقية والاتحاد الافريقي وظلت الجبهة كممثل شرعي ووحيد للشعب الصحراوي في مسار التسوية الأممي.
وعلى الصعيد الدولي، شكل تأسيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عام 1976، ثم عضويتها في منظمة الوحدة الإفريقية، التي أصبحت الاتحاد الإفريقي، أحد أبرز تجليات الانتقال من وحدة المقاومة إلى بناء الكيان السياسي والمؤسساتي. وهكذا، لم تبقَ الوحدة مجرد وسيلة لمواجهة الخطر، بل أصبحت قاعدة لبناء المؤسسات، وصياغة الشخصية السياسية للشعب الصحراوي، وتعزيز حضوره في المحافل الإقليمية والدولية.
إن هذه المكاسب، على أهميتها، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها منجزات منفصلة عن الوحدة التي مهدت لها، بل باعتبارها حلقات في مسار واحد بدأ بتوحيد الإرادة الشعبية، ثم انتقل إلى تنظيم المقاومة، فبناء المؤسسات، وترسيخ حضور الجمهورية الصحراوية. وهو مسار لم يكن ممكناً أن يتحقق بالاستناد إلى اسم قبيلة أو مكانة فرد أو نفوذ جهة، مهما كانت مكانتها الاجتماعية، وإنما من خلال مشروع وطني جعل من القضية المشتركة إطاراً جامعاً للنضال.
إن الاحتفاء بذكرى الوحدة الوطنية اليوم يكتسب أهمية مضاعفة في ظل التحديات السياسية والاجتماعية والمؤسساتية التي تواجه الشعب الصحراوي، فالوحدة التي انتُزعت من قلب المعاناة، وتأسست على تضحيات أجيال من المناضلين والمقاتلين والشهداء، لا يمكن أن تظل إرثاً رمزياً نستحضره في المناسبات، بل ينبغي أن تكون ممارسة يومية تتجسد في السلوك السياسي، وإدارة المؤسسات، وتوزيع المسؤوليات، وضمان تكافؤ الفرص، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات مشروعه الوطني.
إن الوفاء لروح عين بنتيلي لا يكون بترديد شعاراتها وحدها، وإنما باستعادة جوهرها: تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، وتغليب منطق المشاركة على الإقصاء، والاحتكام إلى المؤسسات بدل الشخصنة، وتكريس المساواة بين الصحراويين في الحقوق والواجبات، وإتاحة المجال أمام الكفاءات والطاقات الشابة والنساء للمساهمة الفعلية في صناعة القرار الوطني.
فالوحدة لا تعني الصمت عن الاختلالات، ولا تقتضي إلغاء النقد أو تعطيل الحوار. بل إن الوحدة الراسخة هي التي تتسع للاختلاف المسؤول، وتستوعب التباين في الرأي، وتحول النقاش إلى قوة تصحيح وبناء. أما الوحدة التي لا تستند إلى العدالة والإنصاف والمشاركة، فإنها تظل معرضة للتحول إلى شعار منفصل عن الواقع الذي يفترض أن تنظمه وتطوره.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية الوحدة الوطنية تقتضي مواجهة كل خطاب يحاول إعادة إنتاج العصبيات القبلية والجهوية، كما تقتضي معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية التي قد تمنح تلك العصبيات فرصة للعودة. فليس المطلوب أن يقطع الصحراويون روابطهم الاجتماعية، وإنما أن يضمنوا ألا تتحول هذه الروابط إلى بدائل عن الانتماء الوطني، أو أدوات للمنافسة على حساب المصلحة العامة.
كما أن أي محاولة لتجاوز الإرادة الجماعية للشعب الصحراوي، أو فرض مشاريع سياسية من خارج الإطار الوطني الذي اختاره الصحراويون لتنظيم كفاحهم، تظل عاجزة عن اكتساب الشرعية ما لم تستند إلى إرادة حرة ومشاركة حقيقية. لقد أثبت التاريخ أن قضية الصحراء الغربية لا يمكن اختزالها في تسويات مفروضة، ولا فصلها عن أصحابها، ولا حلها بتجاوز حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

وإذا كانت الوحدة قد شكلت بالأمس شرطاً لمواجهة الاجتياح والاستعمار، فإنها اليوم شرط لتجديد المشروع الوطني، وتحصين الجبهة الداخلية، وتطوير المؤسسات، واستنهاض الطاقات، والاستعداد لاستحقاقات المرحلة المقبلة. إنها ليست دعوة إلى استنساخ الماضي بكل تفاصيله، بل إلى الوفاء لمبادئه وتطوير أدواته بما يتلاءم مع متطلبات الحاضر والمستقبل.

وإذا كان جيل التأسيس قد نجح في تحويل الانتماءات المتعددة إلى إرادة وطنية جامعة، فإن مسؤولية الأجيال اللاحقة تتمثل في حماية ذلك المنجز من التآكل، وتطويره بما يعزز المشاركة والإنصاف والفاعلية المؤسسية. فالوحدة التي لا تتجدد قد تتحول إلى ذكرى، أما الوحدة التي تستمد قوتها من ثقة المواطنين ومشاركتهم فتظل مشروعاً حياً قادراً على مواجهة التحولات.
إن الحديث عن مراجعة وتجديد الوحدة الوطنية يقودنا بالضرورة إلى استحضار أصحاب الفضل في تأسيسها والدفاع عنها، أولئك الذين أدركوا، في لحظة تاريخية بالغة الصعوبة، أن الحرية لا تمنح لشعب مشتت، وأن الكرامة الوطنية لا تُصان إلا بإرادة جماعية مستعدة لتحمل أعباء المواجهة وفي ذكرى الوحدة، نستحضر بإجلال تضحيات الشهداء، وصمود المقاتلين، ومعاناة اللاجئين، ونضال الأسرى والمعتقلين، وصبر الجماهير في الأرض المحتلة، وجهود كل الصحراويين الذين حملوا القضية في مختلف مواقع وجودهم.
لقد دفع هؤلاء اثمانا باهظة كي لا تتحول الصحراء الغربية إلى فريسة لذئاب التوسع والاستعمار، وكي لا يصبح الشعب الصحراوي بلا إرادة ولذلك، فإن الوفاء لهم يتجسد في صيانة المكاسب التي تحققت بفضل تضحياتهم، وحماية الوحدة الوطنية من كل ما يهددها، وبناء مؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات الشعب الصحراوي.

لقد دفن الصحراويون، في عين بنتيلي، منطق التنازع الذي أراد الاستعمار أن يجعله قدرا دائما، وفتحوا صفحة جديدة عنوانها أن الشعب هو الجامع، والجبنة الشعبية هي المظلة، وتحرير الأرض هو الغاية، ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت الوحدة الوطنية أهم الشروط التي مكنت الشعب من الحفاظ على هويته ومواصلة كفاحه رغم الحرب واللجوء والاحتلال وتعقيدات المسار الدولي.

واليوم، ونحن نستقبل هذه الذكرى الوطنية المجيدة، فإن الحاجة إلى الوحدة ليست أقل إلحاحا مما كانت عليه قبل اكثر من خمسة عقود؛ بل لعلها أشد ضرورة في عالم تتغير فيه موازين القوى، وتتزايد فيه الضغوط، وتتعرض فيه القضايا العادلة لمحاولات الالتفاف والتجاوز، غير أن الوحدة المطلوبة ليست وحدة الخوف من الاختلاف، وإنما وحدة الثقة والحقوق والمشاركة والمسؤولية، وليست وحدة الشعارات، وإنما وحدة الفعل والممارسة وليست وحدة الماضي وحده، وإنما وحدة المستقبل الذي نريد أن نصنعه معا.

إن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، بما تمثله من تجسيد سياسي لطموح الشعب الصحراوي، هي ثمرة مسار طويل من النضال والتضحيات وبناء المؤسسات وصيانة هذا المشروع تقتضي أن تبقى الوحدة الوطنية حية في الوعي والممارسة وأن يظل المواطن الصحراوي شريكا في صنع القرار، وأن تتقدم مصلحة الوطن على كل اعتبار آخر، حتى تظل الدولة إطارا جامعا لجميع الصحراويين، وتجسيدا لإرادتهم المشتركة في الحرية والكرامة والسيادة.
وهكذا، تعود بنا ذكرى الوحدة الوطنية إلى نقطة البداية، لنستخلص منها ما يجعل مستقبل قضيتنا أكثر وضوحا وصلابة، فقد كانت الوحدة بالأمس مفتاح الصمود والمقاومة، وهي اليوم شرط تجديد المشروع الوطني، وستظل غدا جسر العبور من ذاكرة التضحيات إلى أفق الحرية، ومن وحدة الكفاح إلى اكتمال السيادة على كامل ترابنا الوطني.
تحية للشعب الصحراوي في عيد وحدته الوطنية، والمجد للشهداء، والوفاء لعهدهم، والتمسك بحق شعبنا في الحرية والاستقلال.
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.