لم تعد القضية الصحراوية، قبيل موعد أكتوبر، مجرد ملف ينتظر جلسة جديدة لمجلس الأمن. فهي تعود إلى واجهة النقاش الدولي في لحظة تتقاطع فيها عدة مؤشرات سياسية لافتة: استقبال المندوب الدائم للولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحد السيد مايك والتز لوفد من جبهة البوليساريو يوم أمس بنيويورك، ثم تصريح المبعوث الأمريكي مسعد بولس بأن لا حل وشيكاً للنزاع، والموقف القوي الذي عبّرت عنه الجزائر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم تأكيد موريتانيا على ضرورة الوصول إلى حل يرضي الطرفين. وهذه المواقف، على اختلاف منطلقاتها، تكشف حقيقة واحدة: بعد كل التحركات والضغوط والمواقف الدولية، لم يتمكن أحد من تجاوز الحاجة إلى مسار تفاوضي أممي قادر على إنتاج حل مقبول من طرفي النزاع.
تصريح مسعد بولس يستحق التوقف عنده تحديداً، لأنه جاء من واشنطن، وفي لحظة تقترب فيها محطة أكتوبر. فالرجل أعاد التأكيد على الموقف الأمريكي المؤيد للحكم الذاتي، لكنه قال في الوقت نفسه إنه لا توجد، في الوقت الراهن، "حلول وشيكة"، وإن أمام المسار مزيداً من العمل. كما أقر بأن جولات التفاوض السابقة لم تُفضِ إلى اتفاق حول الحل.
وهنا تكمن المفارقة التي لا ينبغي إغفالها: إذا كان الموقف الأمريكي، بكل ثقله السياسي والدبلوماسي، لم ينتج بعد تسوية نهائية، فهذا يعني أن الاعتراف أو التأييد السياسي من دولة كبرى لا يستطيع وحده أن يحسم نزاعاً دولياً ظل لعقود مرتبطاً بقرارات الأمم المتحدة وبمبدأ تقرير المصير. الاعتراف السياسي شيء، وصناعة تسوية يقبل بها طرفا النزاع شيء آخر.
ومن نيويورك جاءت الرسالة الجزائرية الصريحة والواضحة لتعيد وضع المسألة في إطارها الأممي. فقد أكد وزير الخارجية السيد أحمد عطاف أمام الجمعية العامة على ما يلي:
أولا: إن الجزائر تؤكد أن نجاح المسارِ التفاوضيِّ يتطلب انخراط طرفي النزاع بحسنِ نية، وبإرادة صادقة في التوصلِ إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول لكليهما، بعيدا عن منطق الإملاءات والمساومات. كما تشدد الجزائر على أن أي مسار تفاوضي جاد لا يمكن أن يستقيم إلا في إطارِ المرجعية الأممية ذات الصلة، واحترام عقيدة الأمم المتحدة الراسخة في تصفية الاستعمار.
ثانياً: تحذر الجزائر من أن أي محاولة لتجاوز هذه المرجعية أو لتهميش أصحاب الحق الأصيل، شعب الصحراء الغربية، وممثَله الشرعي والوحيد، جبهة البوليساريو، لن تسهم في حل النزاع، بل ستزيد من تعقيده وتفاقم التوترات في منطقة هي أحوج ما تكون إلى الطمأنينة، والاستقرارِ، والتعاونِ، والتنمية.
أما موريتانيا، في تأكيدها على منطق الحل السياسي والتسوية التي تراعي الأطراف. فهذا الموقف يكتسب وزنا خاصا بحكم موقع موريتانيا وعلاقتها المباشرة بالملف وبالمنطقة، وبحكم مشاركتها كطرف مهتم شأنها شأن الجزائر.
لكن أهمية موقف موريتانيا أمام الجمعية العامة أنها لم تكتف بالدعوة الى الحوار فقط، بل إن وزير خارجيتها السيد محمد سالم ولد مرزوك قد وضع الحل الصحراوي صراحة في إطار "حل عادل ومستدام ومقبول من الطرفين"
لذلك، فإن اقتراب أكتو بر لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره موعداً لإعلان انتصار صيغة على أخرى، بل باعتباره موعداً لاختبار قدرة المسار الأممي على تحويل المواقف المتعارضة إلى تفاوض حقيقي. فولاية بعثة المينورسو تنتهي في 31 أكتوبر، بينما تستمر الأمم المتحدة في اعتبار البعثة جزءاً من تهيئة الظروف أمام العملية السياسية التي تصب في تقرير مصير شعب الإقليم كما ينص على ذلك قرار مجلس الأمن 690 المصادق عليه بالإجماع سنة1991.
والمفارقة الأكبر أن كثافة التحرك الدبلوماسي منذ أكتوبر الماضي الى الآن تؤكد، أنه لو كان الحل يأتي كنتيجة تلقائية لموازين القوى الجديدة، لما كان هناك داعٍ لكل هذا التفاوض، ولا لانتظار ردود الأطراف، ولا للعودة إلى مجلس الأمن، ولا لاستمرار دور المبعوث الأممي السيد دي ميستورا. لذا فلا مناص من إعادة وضع القضية في قلب مرجعيتها الدولية: الصحراء الغربية ليست مجرد خلاف حدودي بين دولتين، وإنما قضية لها مسار أممي طويل ومرجعيات قانونية وسياسية تراكمت عبر عقود.
وهذا لا يعني تجاهل التحولات الدولية الجديدة، ولا التقليل من وزن الموقف الأمريكي، ولا إنكار أن موازين القوى الدبلوماسية تغيرت. لكنه يعني أن أي قوة دولية، مهما كان حجمها، لا تستطيع أن تختصر وحدها مساراً تفاوضياً يفترض أن ينتهي إلى حل سياسي نهائي ومقبول من طرفي النزاع: المملكة المغربية وجبهة البوليساريو.
لقد قال بولس، من داخل المعسكر الداعم للموقف المغربي، إن الحل ليس وشيكاً. وقالت الجزائر من منبر الأمم المتحدة إن تقرير المصير والمرجعية الأممية لا يمكن تجاوزهما. وقالت موريتانيا إن الحل ينبغي أن يكون سلمياً ودائماً ومقبولاً وأكدت أطراف أخرى داخل منظومة الأمم المتحدة، أن العملية الأممية تظل الإطار الذي يجمع الطرفين.
وبذلك، فإن أكتوبر قد لا يكون شهر إعلان الحل، لكنه يمكن أن يكون شهر إعادة تعريف الطريق إلى الحل.
فعلى المغرب أن يستخلص للمرة الأخيرة أن الطريق ليس في الاعترافات المنفردة، ولا في فرض صيغة مسبقة على طاولة التفاوض، ولا في تحويل مواقف الدول الكبرى إلى بديل عن إرادة طرفي النزاع. الطريق يمر من الأمم المتحدة، ومن التفاوض، ومن احترام المرجعيات التي قامت عليها العملية السياسية منذ بدايتها وأن يدرك أن لا حل خارج المرجعية الأممية.
بقلم: محمد فاضل الهيط
