لا يمكن النظر إلى البيان الأخير الصادر عن ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة، السفير سيدي محمد عمار، بإعتباره مجرد ردة فعل على تصريحات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة السيد ستافان دي ميستورا وفقط، بل هو أبعد و أعمق.
البيان حمل رسائل سياسية تتجاوز مضمون التصريحات نفسها، ترتبط بالدرجة الأولى بطبيعة المسار التفاوضي، وحدود صلاحيات الوساطة الأممية، و التحذير من إعادة رسم قواعد و مرجعيات الحل بما يتوافق مع طرح طرف على حساب الآخر.
إنطلاقاً من مضمون بيان ممثل جبهة البوليساريو بالأمم المتحدة الصادر بتاريخ الـ 12 أكتوبر 2026، يمكن إستنتاج 6 إعتبارات أساسية، هي:
1←جبهة البوليساريو ترفض تكريس الحكم الذاتي بإعتباره أرضية وحيدة للحل و تسعى إلى إجهاض مناورة الإنتقال من مناقشة مقترحات الطرفين إلى التعامل مع مقترح أحد الطرفين على أنه مشروع الحل أو مستقبله.
2← فرض الشرعية الدولية و الإلتزام بها، بإعتبارها ركيزة تسوية النزاع بالصحراء الغربية، بدلاً من ترك مستقبل القضية رهين موازين القوى الدولية، التي باتت مواقفها نابعة من مصالح جيوسياسية دون مراعاة للقانون و العدالة الدولية.
3← البيان مارس الضغط و لم يغلق الباب أمام الوساطة الأممية، و هذا الجمع يوحي بأن الطرف الصحراوي يريد التأثير إيجاباً في إتجاه عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة، دون أن يكلفه الإنخراط فيها التنازل عن مطالبه المشروعة.
4←محتوى البيان يتعدى حدود الأمم المتحدة، فهناك جزئية أيضاً موجهة إلى واشنطن: تنبيه القوى الدولية إلى أن تغيير صيغة الحل أو تضييق خيارات التفاوض، لن يؤدي إلى قبول البوليساريو بها، إن كانت لا تحترم إرادة الشعب الصحراوي
5← تحذير موجه إلى الأمم المتحدة على أن أي مساس بـ «حدود الثقة في الوساطة» سيفشلها، و إبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة و مبعوثه الشخصي، بأن قبول الجبهة بالدور الأممي لا يعني قبولها بكل المقاربات التي قد تطرحها الأمم المتحدة.
6← التحدي الأكبر الآن أمام الأمم المتحدة هو إستعادة ثقة الطرف الصحراوي، و ذلك لن يتحقق دون إصلاح و صيانة قواعد التفاوض، و الدفع نحو تقريب وجهات النظر بين الطرفين، دون تجاوز الطبيعة القانونية للنزاع بالصحراء الغربية.
الأشهر القادمة ستجيب عن أسئلة عديدة، رافقت دور دي ميستورا خلال سنوات إدارته للملف، بل و ستكشف أيضاً مدى قدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على الثقة في وساطتها، وعلى إبقاء تقرير مصير الشعب الصحراوي في صلب أي تسوية سياسية للنزاع بعيداً عن الحلول المعلبة، التي تفتقر إلى الديمومة و العدالة و الشرعية.
الشيخ لكبير مصطفى سيدالبشير.
