الجنسية ليست نهاية القضية.. بل بداية سؤال إسبانيا عن مسؤوليتها التاريخية تجاه تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

 


إن إقرار مشروع قانون الجنسية الخاص بالصحراويين داخل البرلمان الإسباني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تعديل تقني في قانون الجنسية، أو تسوية لوضعية إدارية لفئة من الأشخاص؛ بل هو، في جوهره، اعتراف سياسي وقانوني بأن للتاريخ الاستعماري الإسباني في الصحراء الغربية آثاراً لم تُغلق ملفاتها بعد حتى تصفية الاستعمار وتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير والاستقلال.
فالصحراوي الذي وُلد في الصحراء الغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية لم يولد في فراغ قانوني أو خارج سياق تاريخي. لقد وُلد في إقليم كان خاضعاً للإدارة الإسبانية، وكانت إسبانيا القوة القائمة بالإدارة فيه حتى انسحابها في سبعينيات القرن الماضي.
 ومن هذا المنظور، فإن إعادة فتح باب الجنسية أمام الصحراويين لا يمكن فصلها عن سؤال أكبر: ماذا بقي من مسؤولية إسبانيا تجاه شعب وإقليم تركتهما في منتصف مسار تصفية الاستعمار؟

إن الجنسية، في هذه الحالة، ليست منّة تمنحها دولة، ولا امتيازاً سياسياً عابراً، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها تصحيحاً لجزء من آثار تاريخ قانوني وسياسي معقد. ولذلك فإن حق الصحراوي في استعادة جنسية كانت مرتبطة بوضع قانوني سابق لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلاً عن حقه الأصيل في تقرير مصيره، بل كأحد الملفات التي تكشف حجم المسؤولية التاريخية التي ما زالت قائمة.

لكن السؤال الأكثر أهمية يبدأ من هنا، لا ينتهي هنا.
إذا كانت إسبانيا مستعدة لمعالجة جانب من آثار إدارتها السابقة للصحراء الغربية، فماذا عن مسؤوليتها تجاه الإقليم نفسه وشعبه؟
لقد ظلت إسبانيا، لعقود، طرفاً مركزياً في تاريخ الصحراء الغربية. وبالتالي فإن التعامل مع هذا التاريخ بمنطق انتقائي، يفتح ملف الجنسية ويغلق ملف تصفية الاستعمار، سيبقي المعالجة ناقصة. فالحقوق لا تتجزأ، والمسؤولية التاريخية لا يمكن اختزالها في وثيقة جنسية.

إن الاعتراف بحقوق الصحراويين المدنية والقانونية ينبغي أن يقود، منطقياً، إلى إعادة طرح السؤال السياسي الأكبر: حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وإنهاء وضع الإقليم باعتباره آخر قضية تصفية استعمار في إفريقيا.

وهنا تكمن القيمة السياسية الحقيقية لهذه الخطوة.

فإسبانيا ليست دولة بعيدة عن الملف؛ إنها القوة الاستعمارية السابقة التي لا يزال تاريخها حاضراً في تفاصيل القضية الصحراوية. ولذلك فإن المطلوب منها ليس فقط أن تصحح بعض الآثار القانونية التي خلفها انسحابها، وإنما أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية والسياسية والقانونية في الدفع نحو حل يضمن للشعب الصحراوي ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير.

إن استعادة الجنسية بالنسبة إلى من حُرموا منها يمكن أن تكون خطوة في اتجاه تصحيح ظلم تاريخي، لكن استعادة الأرض والسيادة والحق في تقرير المصير هي جوهر القضية.

ومن هنا، فإن الرسالة السياسية التي ينبغي أن تصل إلى مدريد واضحة:

لا يمكن معالجة إرث الاستعمار في وثائق الهوية فقط، بينما يبقى مستقبل الأرض والشعب معلقاً.

لقد آن الأوان لأن تنتقل إسبانيا من مرحلة الاعتراف ببعض تبعات مسؤوليتها التاريخية إلى مرحلة تحمل هذه المسؤولية كاملة؛ وأن تنظر إلى الصحراء الغربية لا باعتبارها ملفاً دبلوماسياً قابلاً للمساومة، وإنما باعتبارها قضية تصفية استعمار وحق شعب في تقرير مصيره.

فإذا كانت الجنسية حقاً يمكن استعادته، فإن الوطن والسيادة وتقرير المصير حقوق لا تسقط بالتقادم.
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.