ليست تصريحات مسعد بولس الأخيرة مجرد تفصيل عابر في زحام الدبلوماسية الدولية، ولا مجرد صياغة أمريكية أخرى يمكن أن تمرّ دون التوقف عند دلالاتها. فالرجل الذي يتولى ملف كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية في إدارة دونالد ترامب خرج إلى العلن ليقول، بوضوح يصعب تأويله، إن لا حل وشيكاً للنزاع حول الصحراء الغربية، وإن واشنطن ما زالت تنتظر رد جبهة البوليساريو على المقترح المغربي. وبعد ثلاث جولات من المحادثات، لم تصل الأطراف إلى اتفاق حول حل نهائي.
وهنا تكمن المفارقة التي حاول الخطاب الرسمي والإعلامي المغربي طويلاً إخفاءها.
ما قدمته الرباط باعتباره انتصاراً دبلوماسياً حاسماً لم يتحول إلى حل سياسي، وما قُدّم باعتباره نهاية للنزاع لم ينجح حتى الآن في إنتاج اتفاق يقبله طرفاه.
فالقرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في أكتوبر 2025 لم يكن إعلاناً عن انتهاء النزاع، ولم يمنح أي طرف تفويضاً بفرض نتيجة نهائية من جانب واحد. القرار تحدث عن استمرار المشاورات والمفاوضات، ودعا الأطراف إلى الانخراط بحسن نية من أجل الوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومتوافق عليه، مع التأكيد على مبدأ تقرير مصير الشعب الصحراوي.
وما قاله بولس «لا توجد في الوقت الراهن أي تسوية وشيكة يمكن أن نلمسها أو نستشعرها» هذه الجملة وحدها كافية لإسقاط رواية سياسية كاملة بُنيت خلال الأشهر الماضية على أساس أن الملف دخل مرحلة الحسم، وأن القرار الأممي فتح الطريق أمام إنهاء النزاع وفق الرؤية المغربية.
لكن الواقع الذي تقوله واشنطن مختلف، المفاوضات جرت، وكانت ــ وفق وصف بولس ــ بنّاءة ومثمرة، لكنها لم تنتج اتفاقاً على حل. أي أن الطريق لا يزال مفتوحاً، والنتيجة لم تُحسم.
"واشنطن تنتظر رد جبهة البوليساريو"، هنا تحديداً تتهاوى فكرة الحل المفروض من الخارج. فحتى الإدارة الأمريكية، بكل ثقلها ونفوذها، لا تستطيع أن تتجاوز موقف الطرف الصحراوي الذي يوجد على طاولة التفاوض. تستطيع واشنطن أن تقترح، وأن تضغط، وأن تستضيف، وأن ترعى الاتصالات؛ لكنها لا تستطيع أن تجعل المقترح المغربي اتفاقاً دولياً بمجرد تبنيه.
وهذه هي الحقيقة التي يصعب على الرباط استيعابها، القوة الكبرى تستطيع أن تفتح باب التفاوض، لكنها لا تستطيع أن توقع نيابة عن الشعب الصحراوي.
الجزائر ليست طرفا في النزاع ومهمتها دعم وتشجيع المسار السياسي
لسنوات، حاول الخطاب المغربي اختزال قضية الصحراء الغربية في مواجهة مع الجزائر، وتصوير الأخيرة باعتبارها العقبة الأساسية أمام أي تسوية. غير أن بولس قدم في المقابل توصيفاً مختلفاً، مشيداً بالدور الجزائري وبمساهمة الجزائر في تشجيع المسار السياسي، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الجزائر لا تستطيع فرض حل على جبهة البوليساريو.
وهذه نقطة بالغة الأهمية، فالاعتراف بالدور الجزائري لا يعني أن الجزائر هي صاحبة القرار في القضية الصحراوية، بل يعني شيئاً أبسط، أن محاولة تحويل الجزائر إلى بديل عن القضية الصحراوية لا تغير طبيعة النزاع ولا تلغي وجود الطرف الصحراوي.
فالجزائر تستطيع تشجيع المسار، لكنها لا تستطيع فرض حل بالقوة وبهذا المعنى، أعاد المسؤول الأمريكي النقاش إلى مكانه الصحيح، هناك طرف صحراوي يجب أن يجيب، وهناك طرف مغربي يجب أن يتفاوض، وهناك دول جارة تشارك وتدعم المسار، وهناك وسيط دولي وأمريكي يحاول دفع المفاوضات إلى الأمام.
المشكلة ليست في غياب القوة الكبرى.. بل في غياب الاتفاق
منذ سنوات، بنت الرباط استراتيجيتها على توسيع دائرة المواقف الدولية الداعمة لمقترحها الاستعماري، وعلى تحويل موازين القوة الدولية إلى بديل عن البحث عن موافقة الشعب الصحراوي وحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير، لكن السياسة الدولية لا تعمل دائماً بهذه البساطة.
قد تحصل دولة على دعم دولة كبرى، وقد تتغير مواقف عواصم، وقد تصدر قرارات أممية تحمل عبارات جديدة، وقد يتغير الخطاب الدبلوماسي؛ لكن كل ذلك لا يتحول تلقائياً إلى اتفاق سياسي نهائي وهذا تحديداً ما تكشفه اللحظة الراهنة.
فحتى القرار 2797 الذي تراهن عليه الرباط، ينص على استمرار الجهود والمفاوضات للوصول إلى حل سياسي متوافق عليه، كما يمدد مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو» حتى 31 أكتوبر 2026.
وبالتالي فإن تقديم القرار باعتباره شهادة وفاة للنزاع كان، منذ البداية، قراءة سياسية تتجاوز نصه.
الرهان على واشنطن لا يلغي إرادة الصحراويين وحقهم المكرس في ميثاق الأمم المتحدة
لقد راهنت الرباط طويلاً على أن الاعتراف الأمريكي، ثم الدعم الفرنسي، ثم التحولات الأوروبية، والهرولة العمياء الى التطبيع يمكن أن تنتج واقعاً سياسياً جديداً يفرض نفسه على الجميع، لكن تجربة الأشهر الماضية تقول شيئاً آخر.
فالأمم المتحدة ما زالت تتعامل مع الصحراء الغربية باعتبارها قضية مدرجة على جدول أعمالها، والقرار 2797 نفسه يربط الحل بمبدأ تقرير المصير.
ولهذا فإن محاولة صناعة حل من خارج إرادة الصحراويين تصطدم دائماً بالحائط نفسه، من يملك الأرض يمكن أن يفرض وقائع، ومن يملك القوة يستطيع أن يفرض ضغطاً، ومن يملك النفوذ يستطيع أن يغير لغة البيانات، لكن لا أحد يستطيع أن يمنح الشرعية لحل يرفضه أصحاب الحق في تقرير مصيرهم.
من «الحسم» إلى انتظار الرد
المشهد اليوم يكشف مفارقة سياسية واضحة.
الرباط كانت تريد أن يبدو المسار وكأنه يتحرك باتجاه نتيجة محسومة سلفاً، بينما تقول واشنطن إن الرد الصحراوي ما زال منتظراً.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم دولة كبرى تؤيد المغرب؟
بل: هل يستطيع أي طرف أن يحول هذا الدعم إلى اتفاق يقبله الطرف الصحراوي؟
حتى الآن، الجواب الذي تقدمه الوقائع الدبلوماسية هو أن الطريق ما زال مفتوحاً، والمفاوضات لم تنتج اتفاقاً نهائياً، وواشنطن نفسها تقول إنه لا توجد تسوية وشيكة يمكن لمسها.
وهذا يعني أن الرهان المغربي على القوى الكبرى، مهما كان واسعاً، لم يحقق الغاية التي أرادتها الرباط: إنهاء النزاع من دون المرور بإرادة الشعب الصحراوي.
الاحتلال يستطيع تأجيل الحل.. لكنه لا يستطيع أن يصنع شرعيته
المشكلة الأساسية ليست أن المغرب فشل في الحصول على الدعم الدولي؛ فهو حصل على مواقف دولية لصالح مقترحه، وهذا واقع لا يمكن تجاهله. كما أن القرار 2797 أخذ علماً بدعم عدد من الدول لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً للنقاش، مع الإبقاء على هدف الوصول إلى حل سياسي متوافق عليه.
لكن المشكلة أن الدعم السياسي شيء، وإنتاج تسوية نهائية شيء آخر.
فكلما ازدادت الرباط اعتماداً على قوة الخارج لفرض نتيجة بالقوة، ازداد السؤال إلحاحاً، أين موقع إرادة الصحراويين من كل هذا؟
وهنا تحديداً تكمن عقدة المشروع المغربي.
لأن القضية ليست ملفاً عقارياً يمكن حسمه بتغيير خرائط، ولا نزاعاً حدودياً يمكن إنهاؤه بتفاهم بين عاصمتين، ولا صفقة مصالح يمكن توقيعها خلف أبواب مغلقة.
إنها قضية تصفية استعمار وشعب يطالب بتقرير مصيره.
ولذلك فإن فشل الاحتلال المغربي في فرض حل عبر القوى الكبرى لا يعني نهاية المسار، لكنه يكشف حدود القوة حين تصطدم بحق الشعوب في تقرير مستقبلها.
لقد تستطيع الرباط أن تراهن على واشنطن وباريس ومدريد، وأن توسع شبكة الاعترافات والمواقف المؤيدة لها، وأن تحقق مكاسب دبلوماسية هنا وهناك؛ لكنها ستظل أمام الحقيقة الأصعب.
لا واشنطن تستطيع أن توقع باسم الصحراويين، ولا باريس تستطيع أن تتحدث باسمهم، ولا الرباط تستطيع أن تختار مستقبلهم نيابة عنهم.
وفي النهاية، قد تتغير الإدارات، وتتبدل التحالفات، وتتغير خرائط المصالح، لكن السؤال الذي لم تستطع كل هذه التحولات تجاوزه سيبقى قائماً.
ماذا يريد الشعب الصحراوي؟
ومن دون إجابة حرة عن هذا السؤال، سيظل كل حديث عن «حل نهائي» مجرد حديث عن إدارة النزاع، لا عن إنهائه.
