المؤتمر السابع عشر .. فرصة لتجديد وتأكيد الإرادة ، وتحصين الوحدة الوطنية ، وثبات الموقف ووحدة التصور

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

    

 
يأتي المؤتمر السابع عشر للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب القادم في ظرف دقيق وحساس، تتقاطع فيه تحديات داخلية مع متغيرات إقليمية ودولية متسارعة ، الأمر الذي يجعله محطة وطنية مهمة للتقييم والتقويم ، واستخلاص الدروس، ومراجعة الأدوات والوسائل بما ينسجم مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها .

وتزداد أهمية هذه المحطة في ظل التطورات الدولية المتلاحقة وما يحيط بقضيتنا الوطنية من ضغوط سياسية ودبلوماسية متزايدة ، وفي مقدمتها تكرار الموقف الأمريكي الداعم للموقف المغربي بشأن ما يسمى بالسيادة على الأراضي الصحراوية . ولا شك أن هذا الموقف يمثل تطوراً بالغ الأهمية، ويشكل عقبة إضافية أمام الجهود الرامية إلى إنصاف الشعب الصحراوي ، وتمكينه من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال بالنظر إلى الوزن السياسي والدبلوماسي للولايات المتحدة الامريكية ، وقدرتها الكبيرة على التأثير في مواقف العديد من الدول ، وعلى صياغة جانب مهم من التوازنات الدولية . مما يجعل من الضروري والطبيعي ان نتابع ونتعامل مع هذه التطورات بجدية ووعي ويقظة ، وأن نقرأ أبعادها ودلالاتها ونتائجها المحتملة ، والاستعداد لها . لكن إدراك حجم التحديات شيء ، والسماح لها بالتأثير في معنوياتنا وثقتنا بأنفسنا وبقضيتنا شيء آخر تماماً . فمهما بلغت قوة وغطرسة وهيمنة الإدارة الأمريكية الحالية ، ومهما اتسعت قدرتها على التأثير في العديد من الدول وموازين العلاقات الدولية ، فإن ذلك لا ينبغي أن يعني لنا نحن الصحراويين المؤمنين بمشروعنا الوطني أكثر من كونه تحدياً سياسياً جديداً ينبغي التعامل معه بحكمة وحذر ووعي . من كون قضيتنا الوطنية بالنسبة لنا ليست شأنا مرتبطاً بتوازنات او سياسات او مصالح دولية مؤقتة ، أو ورقة سياسية يمكن التخلي عنها تحت ضغط الظروف . وإنما هي قضية شعب ووطن وحق وهوية وذاكرة وتضحيات أجيال متعاقبة .

إن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر تعقيداً، وقد تفرض علينا تحديات سياسية ودبلوماسية كبيرة، وقد تواجه قضيتنا مواقف دولية لا تتوافق مع تطلعات شعبنا وحقوقه، لكن ذلك كله لا ينبغي أن يجعلنا أسرى للخوف أو رهائن للضغوطات مهما كانت طبيعتها . ومن هنا فإننا كمناضلين مؤمنين بمشروعنا الوطني ينبغي أن نؤكد بشكل واضح وصريح بانه مهما كانت طبيعة القرار المنتظر صدوره خلال شهر أكتوبر - من حيث الشكل  أو المضمون أو اللغة التي سيعتمدها ، ومهما كان صعباً أو مخالفاً لتطلعاتنا – لا يمكنه أن يتحول إلى سبب للإحباط أو اليأس أو التشكيك في عدالة قضيتنا وحتمية النصر ، ولا ينبغي أن يغير شيئاً من حقيقة أساسية وهي أننا نحن هم أصحاب القضية ، وأن إرادة شعبنا هي الأساس . ولكن ينبغي أن نتعامل معه باعتباره محطة من محطات الصراع السياسي والدبلوماسي ، نقرأه بدقة ، نفهم مضمونه ونقيم تداعياته ونحدد كيفية التعامل معه ، دون أن نفقد البوصلة أو نسمح للضغوط الخارجية بأن تصادر إرادتنا أو تضعف معنوياتنا .  من كوننا نعرف طبيعة الصراع الذي نخوضه ، وندرك أن المصالح والتحالفات الدولية كثيراً ما تتحكم ظرفيا في مواقف بعض الدول ، وأن موازين القوى قد تفرض في بعض المراحل ظروفاً صعبة وقاسية ،  كما ندرك أن هناك مناورات وضغوطات ومشاريع سياسية خبيثة تسعى إلى دفع قضيتنا في اتجاهات لا تتوافق مع حقوق شعبنا وتطلعاته. لكن معرفتنا بهذه الحقائق ينبغي أن تجعلنا أكثر يقظة وصلابة وقدرة على الصبر والصمود ، دون خوفا أو تردد . لكن ذلك لا يعني أن نتجاهل الواقع أو نقلل من حجم المخاطر والتحديات التي ستترتب عن ذلك ، بل على العكس تماماً . فإن الواقعية تقتضي أن نقرأ الواقع كما هو، وأن نعرف مكامن قوتنا وضعفنا ، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا ومراجعة أساليب واليات عملنا ، وأن نعزز مؤسساتنا، وأن نضاعف جهودنا العسكرية والأمنية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية والحقوقية والثقافية والجماهيرية ، وأن نبحث عن مساحات جديدة للتحرك وبناء العلاقات وكسب الدعم والتعاطف الدولي . وهنا تحديداً تبرز أهمية المؤتمر القادم ، الذي ينبغي ألا يكون مناسبة لتبادل الاتهامات أو تحميل المسؤوليات لشخص أو جهة بعينها ، وإنما فرصة لمراجعة جماعية مسؤولة وشجاعة ، نقيم فيها تجربتنا ونستخلص دروسها ونصحح اختلالاتها . دون أن يدفعنا ذلك إلى فقدان البوصلة أو التراجع عن الأهداف التي ناضلت من أجلها أجيال متعاقبة ، وقدم من أجلها شعبنا تضحيات جسيمة، وسقطت في سبيل تحقيقها قوافل من خيرة رجالنا ونساؤنا وأبنائنا وبناتنا .

وعليه فإن الحكمة تتطلب منا جميعا دون استثناء – في ظل التحديات الصعبة التي تواجهنا اليوم  ــ أن نرقي بأنفسنا عن مضيعة وإطالة الوقت بالخوض في قضايا تافهة ، وجزئيات لا مبرر ولا مكان لها ،  ولا محل لها من الاعراب في هذه المرحلة الحساسة . من قبيل تحميل المسؤوليات وتبادل الاتهامات أو أخلقة الخلافات ونبش الماضي ، وأن نستقل كل الوقت المتاح للنقاش بدلا من ذلك لنجعل نقاشاتنا وخطاباتنا وافكارنا وأراؤنا واقلامنا – قبل وخلال وبعد المؤتمر - تحمل من الدلالات والرسائل ما يؤكد  للعالم بأننا واعون بواقع وطبيعة الصراع وقادرين على ادارته بثقة وثبات ، وما يبرهن للعدو والصديق بان لدينا من القدرة والخبرة والتجربة ما يمكننا من مراجعة أنفسنا ، أدواتنا ، وتصحيح أخطائنا بجرأة ومسؤولية ، وتغيير أو تكييف اساليبنا واليات عملنا دون المساس بأهدافنا ، وتقييم ومراجعة تجربتنا دون التنكر لتاريخنا، والانفتاح على المتغيرات دون التفريط في ثوابتنا قيد انملة . مع أهمية الانتباه بانه إذا كان من الضروري  - وهو كذلك - مراجعة أساليب واليات وأدوات عملنا وتجربتنا ، فإن من الأهمية بمكان أن نميز بوضوح بين مراجعة الأدوات وبين المساس بمقومات القيادة والاستمرارية. فالتاريخ الذي ليس بالبعيد أثبت بان حركات التحرر الوطني بحكم طبيعتها وطول مسارها وتعقيدات الصراع الذي تخوضه ، عادة ما تحتاج إلى الخبرة والتجربة المتراكمة، كما تحتاج في الوقت ذاته إلى تجديد الطاقات وإفساح المجال أمام الأجيال الجديدة لضمان ديمومة واستمرار وتحقيق أهداف مشروعها التحرري . مع التأكيد حتى لا يسيء أحد الفهم ؟ وأكرر حتى لا يسيء احد الفهم بأن الإشارة إلى أهمية الحفاظ على التجربة والخبرة لا يعني إطلاقا تحصين أي كان  من النقد والمساءلة ، وإنما يعني الحفاظ على الخبرة التاريخية التي تمثل رأسمالًا سياسيًا فكريا ، عقائديا وتنظيميًا لا ينبغي التفريط فيه ، ومن كون ان لها معرفة بطبيعة الخصم ، وبآليات التفاوض، وبالتحولات الإقليمية ، وبحدود الممكن ، وبالفرص التي قد لا تبدو واضحة في لحظة معينة ، والاستفادة من الدروس التي راكمتها عقود طويلة من العمل والنضال . وفي المقابل فإن الحديث عن أهمية تجديد الطاقات لا يعني بالضرورة القطيعة مع من سبقونا، بل يعني إتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة لتحمل مسؤولياتها التاريخية في تعزيز وتقوية أسس وركائز مشروعنا الوطني ، والحفاظ على ديمومته واستمراريته ، لما تحمله من طاقات متجددة وأفكار مبتكرة ورؤى مختلفة وقدرة على الإبداع والتجديد والتأقلم مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن يحملها المؤتمر القادم . 

وكخلاصة فإن المؤتمر القادم يمكن أن يكون فرصة تاريخية لاستعادة الثقة ، وتجديد العهد، وإعادة ترتيب الأولويات ، وتجديد الأدوات والطاقات ، والانتقال إلى مرحلة أكثر قوة وتنظيماً وثباتاً . ولكن ذلك مرهون بان تكون أحد المهام الجوهرية والأساسية للجنة التحضيرية للمؤتمر ــ التي نتمنى لها بالمناسبة كل التوفيق والنجاح  ــ ضمن نقاشاتها محاولة الإجابة على جملة من الأسئلة التي يجب ان تشكل في مجملها أرضية لأي توجه او برامج مستقبلية لعملنا في مختلف الميادين والجبهات ، من قبيل :
كيف يمكننا توحيد جهودنا لمواجهة ما يُحاك ضد قضيتنا من مؤامرات ؟ وماهي الآليات والصيغ الكفيلة بمواجهتها ؟
ماهي الاليات التي تمكننا من الحفاظ على وحدة التصور والقرار والانسجام الاستراتيجي ؟
كيف نعيد بناء خطابنا السياسي والإعلامي والثقافي والديني بما يتناسب مع التحولات المتسارعة والتكنولوجيات الحديثة ؟
كيف يمكننا تحصين جبهتنا الداخلية من مختلف المخاطر التي تحيط بنا ، وتعزيز ثقة شعبنا في مؤسساته، وتجديد أدوات نضالنا بما ينسجم مع طبيعة المرحلة ؟
كيف يمكننا تقوية مؤسستنا العسكرية ، وجعلها اولوية الأولويات في هاته المرحلة ؟ 
كيف نطور أداءنا الدبلوماسي ، و كيف نستثمر في الكفاءات المتخصصة في مختلف المجالات ؟
كيف نرفع مستوى التكوين السياسي والتنظيمي والعقائدي لمنظماتنا الجماهيرية وقياداتنا الشبانية ؟ وكيف يمكننا تحصين شبابنا وتمكينه وطنيا ، قيميا ، خلقيا ، وتربيته على حب الوطن والاستعداد للتضحية من أجل كرامة وحرية شعبه ؟
كيف نضمن انتقال الخبرة والأهلية السياسية والأيديولوجية الفكرية لحركتنا الوطنية من جيل إلى آخر؟
أي مؤسسات نحتاج ، وأي أدوات مناسبة لتسيير تلك المؤسسات ؟ 
كيف يمكننا استثمار وتوظيف طاقات واندفاعة وحماس مناضلينا في الجاليات والمدن المحلتة والشتات ؟
كيف يمكننا ان نحول خمسة عقود من التجربة إلى قوة استراتيجية تمكننا من التعامل مع العقود القادمة من مسيرتنا النضالية ؟
وفي الأخير ، وحسب رأيي الخاص فإن قوتنا كحركة تحرير في المرحلة الحالية والمقبلة لن تكون في قدرتنا على الحفاظ على كل شيء كما هو ، ولا في قدرتنا على تغيير كل شيء . وإنما في قدرتنا على معرفة ما الذي يجب الحفاظ عليه ؟ وما الذي يجب تطويره ؟  وما الذي يجب تجاوزه للوصول لبر الأمان في هذا المرحلة الحساسة للغاية من تاريخ نضالنا ومقاومتنا الوطنية .

قد يكون الطريق طويلاً وشاقاً ، وقد تفرض علينا المرحلة تضحيات جسام ، لكن مهما كانت صعوبة المرحلة، ومهما بلغت الضغوط والعقبات، ومهما تعددت المواقف الدولية التي لا تتوافق مع تطلعات شعبنا، فإن قضيتنا ستظل قضيتنا، وإرادتنا ستظل إرادتنا، وقرارنا الوطني ينبغي أن يظل قرارنا. وبكل سيادة .
 
سنواصل الصبر والصمود والعمل والنضال، وسنتمسك بحقوقنا دون خصاص ، لأننا أصحاب قضية لا تنتظر من الآخرين أن يمنحوها الشرعية ، ولأن إرادة  شعبنا لا يمكن أن تختزل في قرار أو موقف دولي من أي كان .

بقلم / موسى سلمى لعبيد
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.