هناك لحظات تصبح فيها الخريطة أكثر بلاغة من الخطاب السياسي، لأنها تكشف ما تحاول الدعاية إخفاءه. وما جرى في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن مبادرة «تصحيح الخريطة» يندرج ضمن هذه اللحظات.
في 4 سبتمبر 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار A/80/L.104 بأغلبية ساحقة بلغت 164 صوتًا مقابل صوت واحد وستة امتناعات، في مبادرة قادتها توغو باسم المجموعة الأفريقية، وتهدف إلى تعزيز استخدام خرائط أكثر دقة في تمثيل القارات والمناطق، خصوصًا في أفريقيا.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى نقاشًا تقنيًا حول الإسقاطات الخرائطية، لكنه يكتسب دلالة سياسية حين يوضع في سياق الصراع حول الصحراء الغربية. فالقرار لم يغيّر الحدود، ولم يمنح شرعية جديدة لأي مطالبة إقليمية، بل أكد أن تصحيح التمثيل الجغرافي لا يعني إعادة رسم الواقع السياسي أو القانوني.
وهنا تكمن المفارقة التي تربك الخطاب المغربي: الإسقاط الخرائطي يمكن تغييره، أما الوضع القانوني للإقليم فلا يتغير بتغيير الألوان.
فالأمم المتحدة تواصل في خرائطها ووثائقها التعامل مع الصحراء الغربية باعتبارها إقليمًا متميزًا عن المغرب، وتظهر خرائط بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو» هذا الفصل بوضوح. وهذه ليست مسألة لون أو تصميم، بل انعكاس لطبيعة تعامل المنظمة الدولية مع إقليم ما زال مدرجًا في أجندة تصفية الاستعمار.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست حول شكل الخريطة، وإنما حول الرواية التي تُراد لها أن تصبح حقيقة. تستطيع الصحافة والمنصات الدعائية أن تعتمد خريطة بلون واحد، وأن تكرر عبارة «الصحراء مغربية» بلا نهاية، لكن ذلك لا يحوّل الادعاء السياسي إلى حقيقة قانونية دولية.
فالخرائط الأممية ليست منشورات دعائية، ولا تُرسم وفق رغبات الحكومات. وهي، وإن كانت لا تحسم النزاعات السياسية بمفردها، تعكس في بعض الحالات الطريقة التي تتعامل بها المؤسسات الدولية مع الأقاليم المتنازع عليها.
ومن هنا تكتسب مبادرة «تصحيح الخريطة» أهميتها الرمزية. فهي لا تصنع جغرافيا جديدة، بل تسعى إلى تمثيل الجغرافيا بصورة أكثر دقة. والدرس الأوضح منها أن تغيير طريقة رسم العالم لا يغيّر العالم نفسه.
قد تتبدل الإسقاطات، وقد تتغير الأحجام والأشكال البصرية للقارات، لكن لا يمكن لإعادة التلوين أن تمنح دولة سيادة لم تُحسم دوليًا، ولا أن تلغي إقليمًا من الوجود، ولا أن تختصر نزاعًا دوليًا في لون على شاشة أو ورقة.
لهذا تبدو الخريطة، في قضية الصحراء الغربية، أشبه بمرآة سياسية. فهي لا تقول كل شيء، لكنها تكشف الفارق بين ما تريد الدعاية المغربية أن يراه الجمهور، وما تعكسه الوثائق والمؤسسات الدولية.
وفي النهاية، يستطيع المغرب أن يلوّن خرائطه كما يشاء، لكنه لا يستطيع أن يلوّن سجلات الأمم المتحدة. يستطيع أن يكرر روايته آلاف المرات، لكنه لا يستطيع أن يحوّل التكرار إلى حقيقة قانونية.
تلك هي حدود «مملكة التلوين»: يمكنها أن تعيد رسم الصورة، لكنها لا تستطيع إعادة رسم الحقيقة.
بابا السيد لعروسي
إعلامي ودبلوماسي
المصدر: الأيام نيوز
