تتقاطع تحليلات خبراء السياسة والعلاقات الدولية حول الدور التخريبي للإمارات العربية المتحدة في المنطقة العربية والإفريقية والنمط الرئيسي لسلوكها المرتبط بتخريب الدول، وانتهاك سيادتها، وتهديد وحدتها، والذي اصطدم في الحالة الجزائرية بعقيدة صلبة وثابتة ترتكز على الدولة والسيادة ورفض التدخل في الشؤون الداخلية. ويتوقع هؤلاء أن يكون قرار الجزائر بقطع علاقتها مع الإمارات بداية تحرك جماعي لحماية الاستقرار، وأن يخلق الموقف الجزائري حافزاً لدول أخرى لاتخاذ خطوات مشابهة لحماية أمنها.
وشرّح ضيوف برنامج “نقطة ارتكاز” لقناة الجزائر الدولية والذي بث، سهرة أمس الجمعة، حقيقة التحركات الإماراتية خلف الستار في دول عربية وإفريقية على غرار السودان وليبيا والصومال والنيجر والتي تشكّل دليلا قاطعا على أن نظام أبو ظبي ليس سوى “مكلّف بمهمة” خدمة لأجندة الكيان الصهيوني التي تقوم على تفتيت الدول من الداخل ومنظومة تستعمل المال في محاولاتها لإعادة صياغة الجغرافيا والتاريخ. وفي السياق، قال الخبير العسكري والاستراتيجي التونسي العميد توفيق ديدي إن ” هذه الدولة التي كان المفروض أن يكون لها تاريخ موحد مع أمتها، هي دولة عربية مسلمة، ولكن إذا دققنا فيما تفعله، نرى أنها بغض النظر عن التجارة والموانئ، مكلفة بمهام محددة. يكفي أن ننظر إلى علاقتها مع الكيان الصهيوني التي هي في أوجها وفي أحسن أحوالها، فضلاً عن استقبالها قواعد أمريكية على أراضيها”. وأضاف أنها “مكلفة بمهمة، وقد تمعنت في هذه المهمة ووصلت إلى مرحلة متقدمة جداً، تتلخص أولاً في زعزعة الأنظمة التي قد تؤرق المنظومة الدولية المرتكزة على الصهيونية والأمريكان”. واستدل الخبير بما تفعله هذه الدولة في اليمن وفي إثيوبيا وفي السودان وفي بقية الدول دون استثناء، قائلا: “نستنتج أن كل البلدان العربية التي لم تدخل بيت الطاعة الإسرائيلي الأمريكي معرضة لهذا النوع من الاستفزاز والعمل العدائي.”
من جهته، يرى أستاذ التاريخ السياسي عبد اللطيف مشرف أن قرار الجزائر بقطع علاقاتها مع الإمارات جاء بفعل تراكمات رأت معها الجزائر أن إدارة الخلاف أصبحت أعلى كلفة عليها من إنهائه، مشيرا إلى أنه تاريخيا لا نجد دولة تنتقل من مرحلة إدارة الخلاف إلى فكرة القطيعة مباشرة إلا من خلال تراكمات عدة، وأكد أن الإمارات تلعب في مستوى الأمن الاستراتيجي والفناء الخلفي للجزائر، وهي الدولة التي ترفض القوة الخارجية أو فرض السيطرة. ويشير الباحث في الشأن السياسي حامد الصراف إلى التدخلات الإماراتية التي لم تستثني أحداً: السودان، ليبيا، السعودية، العراق، سوريا، الأردن، فلسطين، أرض الصومال، تونس، والجزائر التي أدت بها معطيات على مدى السنوات الماضية لإنفاذ قرار شجاع وحكيم ينضوي تحت الحفاظ على علاقات دبلوماسية متوازنة مع الدول التي تحترم السيادة والدبلوماسية.
الموقف الجزائري سيكون موضع اهتمام واستنهاض للهمم
الكاتب والباحث السياسي السوداني، أحمد شموخ، يرى أن القرار الجزائري أتى في مسار محطات طويلة من محاولات نظام أبو ظبي التأثير على الأمن القومي الجزائري، سواء من الداخل أو من المحيط الإقليمي بالعبث والتدخل في الدول المجاورة، وقال: هذا سلوك تابعناه وتأثرنا منه بصورة تدميرية وتخريبية وإبادية مباشرة في السودان، كما وثقت منظمات الأمم المتحدة. النمط الرئيسي لسلوك الإمارات مرتبط بتخريب الدول، وانتهاك سيادتها، وتهديد وحدتها، إضافة إلى ما تقوم به الإمارات في الصومال، على سبيل المثال، والذي لا يقتصر على دعم ميليشيات انفصالية فحسب، بل يمتد لمحاولة ترسيخ وضع يجزئ جمهورية الصومال الفيدرالية إلى دويلات لخدمة مصالح الإمارات وإسرائيل. وهو التنافس والتصعيد الإقليمي ذاته بين إثيوبيا وإريتريا، بينما تتخذ الجزائر خطوات أكثر فاعلية لحماية مجالها الحيوي والأمن القومي العربي والأفريقي.
ويجمع المتدخلون في برنامج “نقطة ارتكاز” على أن القرار الجزائري السيد والشجاع بقطع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة سيكون بمثابة بوصلة لدول أخرى، وقال حامد الصراف إن وسائل التواصل والاتصالات الدبلوماسية أظهرت انتباه الدول للدور التخريبي الإماراتي الذي جرى السكوت عنه لسنوات، وإن الموقف الجزائري سيكون موضع اهتمام واستنهاض للهمم؛ فمواجهة المخططات لا تتم إلا بإنهاء أدوات التدخل التخريبية. وأشار العميد توفيق ديدي إلى أن الجزائر تقوم بدورها كقوة إقليمية لحماية نفسها من محاولات لمحاصرتها عبر ما يحدث في ليبيا ومالي وبقية البلدان العربية، وأضاف أن “القرار الجزائري هو عين العقل، خاصة بعدما قَبِلَ البعض بالواقع واستسلموا، بينما بقيت الجزائر صامدة بفضل وعي قيادتها واستراتيجيتها”.
نفوذ مؤقت وهشّ …
وفي السياق، قال أحمد شموخ إن القراران السوداني والجزائري دقّا ناقوس الخطر، ليس فقط بشأن الاستفزازات التي تعرض لها البلدان، بل بشأن المسار الكامل الذي تتخذه الإمارات في تهديد الأمن الجماعي العربي والأفريقي. وأضاف أن نظام أبو ظبي يحاول تكرار نمط من الهيمنة وتوسيع النفوذ في جغرافية البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل، وتحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ خاصة به وبالكيان الصهيوني، بما يهدد الدول الكبرى المشاطئة كالسودان ومصر والسعودية والأردن. وأكد أن القرارات السيادية الأخيرة تشكل بداية تحرك جماعي لحماية الاستقرار. ولفت العميد توفيق ديدي إلى أن ما تفعله الإمارات في إثيوبيا وفي مالي وفي ليبيا شواهد واضحة، وأن خطوة الجزائر أظهرت الموقف الحقيقي، وعلى الدول التي تضررت أن تتخذ مواقف صريحة لحماية أمنها القومي. وفي السياق يدعم عبد اللطيف مشرف الطرح الذي يؤكد اعتماد النموذج الإماراتي على إدارة شبكات النفوذ وتوظيف المال السياسي وتدريب الوكلاء لشراء الاستثمارات والموانئ والتدخل في شؤون الدول، وهو أسلوب يتعدى حدود الجيو-سياسية الطبيعية ويؤدي لزعزعة الاستقرار مثلما حدث في عدة ساحات، وهو ما يتعارض كلياً مع المفهوم السيادي للدول. وفي هذا الإطار يؤكد المصدر أن النفوذ القائم على شراء الوكلاء والتمويل المالي دون وجود حاضنة شعبية أو امتداد جيو-سياسي طبيعي يظل مؤقتاً وهشاً مهما بلغت قدرة المال السياسي وتوظيف التقنيات والشبكات، وأضاف أن غياب القبول الشعبي والتعارض مع سيادة الدول يجعل هذه المشاريع غير قابلة للاستدامة وتصطدم بالوعي الوطني ومؤسسات الدول. ويقاسم حامد الصراف الرؤية المتعلقة بأن المال يستطيع شراء النفوذ المؤقت، لكنه لا ينتج شرعية سياسية ولا قبولاً شعبياً. هناك اتساع في مستوى الوعي لدى الشعوب العربية والأفريقية برفض هذه الأساليب. وقال إنه في البيت الداخلي للإمارات، هناك أصوات وتناقضات ترفض السياسات المغامرة والابتعاد عن العُمق العربي والإسلامي. وبالتالي، فإن هذا النفوذ المالي سيتراجع أمام الصحوة الوطنية والرفض الشعبي.
ويجمع ضيوف “نقطة ارتكاز” على أن التماسك الوطني والوعي الشعبي هما الحصن الأخير الذي يسقط المشاريع غير المشروعة ويستعيد سيادة الدول.
المصدر: الجزائر الدولية
