أكبر عملية تطهير الغام في الحرب: نُبلُ الرسالة وإرادةُ الرجال

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

مثّلت عملية گِلتة زمور التاريخية إحدى أبرز معارك حرب التحرير في الصحراء الغربية، وشكّلت تحولا تكتيكيا واستراتيجيا مهما في مسار إدارة الحرب في 13 أكتوبر 1981. وأظهر جيش التحرير الشعبي الصحراوي قدرته على مهاجمة موقع مغربي محصّن ومدجّج بآلاف الجنود، مستخدماً، للمرة الأولى، أسلحة أكثر حداثة وتطوراً لم يسبق له استخدامها في مواجهاته السابقة. وكانت لحظة إسقاط الطائرة C-130، على الساعة السادسة صباحاً تقريبا، وهي تضيء ظلام الفجر، ومما تحفظ الذاكرة هو ارتفاع معنويات المقاتلين عند مشاهدتهم تلك الطائرة وهي تتهاوي مشتعلة من الجو فاتحةً بذلك الشرارة الاولي للمعركة، إيذاناً ببدء ملحمة عسكرية ستظل حاضرة وخالدة في الذاكرة.
وخلّفت تداعيات إقليمية ودولية بالغة الأهمية. واعتبرت وكالة الاستخبارات الامريكية CIA آنذاك، وعن حق، أن العملية شكّلت منعطف حاسم، بينما وصفتها صحيفة    Le Monde بأنها تمثل تحولاً نوعياً في مسار الحرب.
***                                      ***                                        ***                                 ***               
غير أن لمعركة گِلتة زمور جانباً آخر، أقل حضورا في الرواية التاريخية والإعلامية، ولم يحظَ في تقديري، بالبحث والتوثيق اللذين يستحقهما. إنه جانب إنساني بالغ الأهمية، يرتبط بما أعقب المعركة من جهود للتعامل مع مخلفات الحرب، ولا سيما الألغام والذخائر غير المنفجرة، أي ما يصطلح عليه عسكريا ب "معالجة العواقب"
ففي خضم الحرب، لم تكن المعارك مجرد مواجهات عسكرية، بل أنها تترك وراءها إرثا خطيرا من التلوث بالمتفجرات، وقد يشكل تهديدا دائما للحياة اليومية. ومن هنا تبرز أهمية ذلك العمل الإنساني النبيل الذي يتمثل في إزالة الألغام ومخلفات الحرب.
ان هذا الجانب الإنساني من ملحمة گِلتة زمور يستحق أن يُروى ويُوثّق، ليس فقط باعتباره امتدادا للمعركة، وإنما أهميته كجزء من تاريخ مشرف لجيش التحرير الشعبي الصحراوي في تحمل مسؤولياته ليس فقط في الدفاع والذود عن الوطن، بل في أنبل وأقدس المهام الانسانية.
بعد شهر واحد من تلك العملية، أسندت مهمة ل 12 مقاتلا لتطهير أراضي گِلتة زمور، حيث كانت محاصرة من كل الاتجاهات من الغام الأرضية ومخلفات الحرب. جدير بالذكر ان القوات المغربية بعد انسحابها لم تكتفي ذلك، بل وضع سما في الابار من النوع ذات التأثير المتأخر أو بطيئة المفعول، وبحسب عبد الله بشري قد انتزعوا علب من السم من البئر.
 ووفاء لروح التضحية، وتعظيما لقيم الصمود والإقدام، منح المكتب الصحراوي لتنسيق الاعمال المتعلقة بالألغام SMACO، يوم 4 ابريل الماضي شهادة تقدير للعمل الإنساني البطولي والتاريخي الذي أنجزته تلك المجموعة من الابطال، والمتمثل في نزع 59.782لغم أرضي بمنطقة گلتة زمور، مباشرةً بعد تحريريها خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 1981 إلى يونيو 1982. 
***                                        ***                                 ***                                               ***   
وبالمناسبة نحاول تشريح ومقارنة هذا العمل البطولي والتاريخي بما توفر من المعلومات بمؤشرات ومقاييس مهنية وكذا طبقا والمعاير الدولية للأعمال المتعلقة بالألغام وإن كان عمل هذه المجموعة نفذ بمعايير شبه عسكرية بحتة.
فقد بدأت العملية كما أسلفنا بمجموعة قوامها   12 مقاتلاً. وخلال سير العمل، انفجر لغم تحت إحدى السيارات في الأسابيع الاولي، مما أدى إلى استشهاد اثنين من أفراد المجموعة وإصابة أربعة آخرين. ولا تتوفر، في الوقت الراهن، معطيات وثائقية دقيقة تسمح بتحديد تاريخ عودة الجرحى إلى مزاولة نفس المهمة ولذلك، فإن حساب الإنتاجية الفردية ما هو الا تقدير نظري يستند إلى القوة الأصلية المكونة من 12 مقاتلاً. 
 وسنأخذ المؤشرات المتوفرة لسنة 2024 بما أنه أكثر البيانات العالمية شمولاً التي نُشرت حتى الآن، حسب تقرير مرصد الألغام الأرضية ( Landmine monitor ) .
لقد بلغ إجمالي تمويل عمليات إزالة الألغام لسنة 2024 رقم قياسي وتاريخي بلغ 1.07 مليار دولار أمريكي، وخُصص منها 571.3 مليون دولار أمريكي (75%) من هذا التمويل لإزالة الألغام وتطهير الأراضي، وخلال هذه العمليات، تم تدمير او شل فعالية ما لا يقل عن 105,640 لغماً في أكثر من 24 دولة واقليم. 
ومقارنة بين العمليتين نجد ان مجموعة المقاتلين الصحراويين أنجزت 56.59 % في اقل من 6 أشهر مما أحرز المجتمع الدولي في سنة كاملة. وقد بلغ معدل العمل اليومي العالمي 289 لغم/ اليوم، في حين نجد ان متوسط هذه المجموعة كان 314 لغم يوميا وبالتالي فإن أداء هذه المجموعة فاق المعدل العالمي بنسبة 8,65 %. 
اما من جانب التكاليف المالية نجد ان معدل نزع اللغم الواحد حسب الغلاف المالي الدولي الذي استهلك لكل لغم في سنة 2024 هو 5408 دولار للغم الواحد، أي أنه أكثر تقريبا ب 4.5 مرات من المعدل النظري لنزع اللغم الواحد. وكمقارنة بالتكلفة التي يفترض ان مجموعة المقاتلين قد ادخرت لخزينة المجتمع الدولي في حالة نزع هذه الألغام طبقا والمنظور الانساني وبالتكاليف التقليدية لنزع اللغام الواحد قد يصل الي ما يقارب 90 مليون دولار
***                                               ***    ***                                                                             ***   
محليا ومقارنة مع ما انجز في الأراضي المحررة من الصحراء الغربية وإن كانت له اهمية بالغة في تأشير المناطق الخطيرة وتنظيفها من طرف وكالة الأمم المتحدة لنزع الألغام ومختلف الشركاء الدوليين منذ سنة 2006 حتى الان، أي في 20 سنة، فقد تم تدمير حوالي 30 ألف جسم بين الألغام ومخلفات الحرب، بغلاف مالي يناهز ال 50 مليون دولار تقريبا.
وإذ كلفت هذه المجموعة بتنطيق هذه المناطق من الأراضي الصحراوية من الكمية السالفة الذكر، ستنجزها في 3 أشهر فقط وتكون بذلك قد وفرت حوالي 45 مليون و955 ألف دولار لصالح صناديق المجتمع الدولي ووكالة الأمم المتحدة نفسها.
وفي الوقت الذي تبذل فيه الهيئات الدولية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة، جهوداً كبيرة وتسخر موارد هائلة لمكافحة الألغام عبر العالم، يبرز هذا الإنجاز الاستثنائي كدليل حي على أن إرادة الجيش الصحراوي، حتى بإمكانيات محدودة وفي ظروف بالغة القسوة، وفي مناطق نائية قادرة على تحقيق نتائج ميدانية ذات أثر إنساني عميق، يوازي في دلالاته أسمى الجهود الدولية.
ومن الإنصاف وردّ الجميل، لا يجب ان نشهر بالأرقام بدون ذكر الفاعلين والابطال الحقيقيين ومن واجبنا أن نستحضر أسماء هؤلاء الأبطال، وأن نُكرّمهم ونُعرّف بما قدّموه للأجيال من عمل جليل وبالغ الأهمية والخطورة. وفيما يلي أسماؤهم مرتبةً أبجدياً:

• اعلي فراجي
• باهية خطاري حيمد، إستشهد اثناء المهمة   
• برة الحفظ امبارك
• البلال محمد لمين محمود
• حمدها اعلي مولود، جرح اثناء المهمة   
• خندود محمود عبد الرحمن، جرح اثناء المهمة   
• الصالح سلمي الزاوي، إستشهد اثناء المهمة   
• عابدين خطري البلال
• عبد الله بشري أعوييش
• عبد الوهاب محمد حرمة محمد امبارك
• محمد سعيد محمد كوري، جرح اثناء المهمة     
• محمد محمود بوصولة. جرح اثناء المهمة   
كما وجب التذكير بالدور الذي لعبه افراد الدعم واللوجستيك.

***                       ***                                           ***                                                     ***
وتُعدّ عملية نزع الألغام التي أُنجزت في گلتة زمور، من حيث حجمها والظروف التي نفذت فيها، إحدى العمليات اللافتة في تاريخ نزع الألغام العسكري أثناء النزاعات المسلحة. وتتضح أهمية هذه العملية عند مقارنتها ببعض أكبر عمليات نزع الألغام المعروفة تاريخياً. فعلى سبيل المثال، خلال عملية تطهير قناة السويس التي بدأت سنة 1974، قامت القوات المصرية بإزالة نحو   686,000 لغم، بدعم تقني من الولايات المتحدة وبمشاركة حوالي   1,700 مهندس مصري. ومن حيث العدد الإجمالي، كانت عملية قناة السويس أكبر ب نحو11.5 مرة من عملية گلتة زمور. غير أن العمليتين جرتا في سياقات مختلفة وبإمكانات متباينة
وعليه، فإن إزالة   59,782 لغماً خلال نحو 190 يوماً   تعادل، في المتوسط النظري، حوالي   26.2 لغماً لكل مقاتل صحراوي في اليوم مقابل 8,5 لغم في اليوم لكل فرد من المهندسين المصريين. 
وقد تمثل عملية نزع الألغام في گلتة زمور أكبر عمليات نزع الألغام التي نفذتها قوة مقاتلة مباشرة في سياق نزاع مسلح حسب المتداول من المعلومات.  وتكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى محدودية الموارد البشرية المتاحة والظروف الحربية التي جرت فيها العملية.
جدير بالذكر، أن هؤلاء الأبطال نفذوا مهمة تطهير الأرض في ظروف استثنائية، من دون تمويل أو دعم أو استشارة أجنبية، ومن دون خرائط أو مخططات دقيقة لمواقع الألغام، أو معدات تكنولوجية متطورة، بل وحتى من دون فريق طبي ميداني يرافقهم. لم تكن بحوزتهم سوى الإرادة والتصميم والخبرة الميدانية، وإيمان راسخ بضرورة استعادة الأرض الآمنة وحماية الإنسان.

 

غيثي النح البشير. 15 سبتمبر 2026
المراجع:
مقابلات مع أصحاب هذه المهمة.
https://www.marefa.org/%D8%AA%D8%B7%D9%87%D9%8A%D8%B1_%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%B3_1974 
https://www.usslittlerock.org/historic-events/suez_canal.html
 https://en.wikipedia.org/wiki/1974_Suez_Canal_Clearance_Operation
لمشاهدة حفل التكريم الذي أقيم في المكتب الصحراوي لتنسيق الاعمال المتعلقة بالألغام https://www.facebook.com/photo/?fbid=1249825527321257&set=pb.100068814650220.-2207520000
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.