يتابع تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان بالصحراء الغربية CODESA باهتمام بالغ عزم قوة الاحتلال المغربي إجراء الانتخابات المقرر إجراؤها بتاريخ 23 أيلول / شتنبر 2026، والتي ستشمل الجزء المحتل من الصحراء الغربية.
وإذ يسجل تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان بالصحراء الغربية CODESA أن إدراج الجزء المحتل من الصحراء الغربية ضمن المجال الانتخابي المغربي، يشكل بالنظر إلى الوضع القانوني الدولي للإقليم المشمول بتصفية الاستعمار انتهاكا للقانون الدولي ومصادرة لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
أولا ـ الوضع القانوني الدولي للصحراء الغربية:
يذكر التجمع بأن الصحراء الغربية مدرجة في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالاستقلال الذاتي منذ سنة 1963، وهي القائمة التي تندرج في إطار تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
ولا تزال لجنة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بإنهاء الاستعمار تتناول المسألة في إطار ولايتها المتعلقة بالأقاليم غير المتمتعة بالاستقلال، كما تؤكد وثائق الأمم المتحدة معالجة وضعية الإقليم ضمن هذا الإطار.
إن قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالأقاليم الواقعة تحت الاحتلال تفرض على السلطة القائمة بالاحتلال التزامات محددة، ولا تمنحها حق اكتساب السيادة على الإقليم المحتل أو تغيير مركزه القانوني، خصوصا في:
المادة 43 من لائحة لاهاي (1907): التي تنص على التزام القوة القائمة بالاحتلال، بعدم انتقال السلطة الفعلية لها، وأن الاحتلال لا يملك الحق في ممارسة السيادة، ويمنع من إحداث تغييرات سياسية أو تشريعية هيكلية في الإقليم المحتل.
المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة (1949): التي تمنع بشكل قاطع أي مساس بحقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال نتيجة أي تغيير يطرأ على مؤسسات الإقليم أو محاولات ضمه.
وتظهر السوابق الدولية أن المجتمع الدولي ميز، في حالات مختلفة، بين الانتخابات أو عمليات التصويت التي تجري في إطار ترتيبات السلطة القائمة، وبين عمليات التعبير عن إرادة السكان التي أُنشئت لها آليات دولية خاصة.
ففي تيمور الشرقية أُنشئت آلية أممية لتنظيم “المشاورة الشعبية”، بينما أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في حالة جزيرة القرم، أن إجراء الاستفتاء الأحادي لا يشكل أساسا لتغيير وضع الإقليم. ولا يعني هذا التطابق بين الحالات، وإنما يبرز المبدأ المقارن القائل إن مجرد إجراء اقتراع لا يمنحه بذاته أثرا قانونيا على الوضع النهائي للإقليم
وعليه، فإن الوضع النهائي للصحراء الغربية لم يُحسم في إطار عملية دولية لتصفية الاستعمار، ولا يمكن اعتبار الإجراءات الانتخابية التي تنظمها قوة الاحتلال المغربي بالجزء المحتل من الإقليم بديلا عن تلك العملية، وتؤكد الممارسة الأممية المقارنة في هذا السياق أن إجراء انتخابات محلية في إقليم واقع تحت الاحتلال لا يحولها، بمجرد إجرائها، إلى آلية لتحديد الوضع النهائي للإقليم أو إلى ممارسة لحق تقرير المصير؛ فقد جرت انتخابات بلدية في الضفة الغربية خلال الاحتلال الإسرائيلي عامي 1972 و1976، دون أن تُعامل هذه الانتخابات في إطار الأمم المتحدة باعتبارها آلية لتسوية الوضع النهائي للإقليم أو بديلا عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير[1].
ثانيا ـ حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير:
يؤكد التجمع أن حق الشعوب في تقرير المصير يشكل أحد المبادئ الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة وعنصرا جوهريا في منظومة تصفية الاستعمار، كما أكدته الصكوك الدولية ذات الصلة.
وفيما يتعلق بالصحراء الغربية على وجه الخصوص، أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 16 أكتوبر 1975 أن المعطيات المقدمة إليها لم تثبت وجود روابط من طبيعة السيادة الإقليمية بين الصحراء الغربية والمملكة المغربية، وأن الروابط التي خلصت إليها المحكمة لا تحول دون تطبيق مبدأ تقرير المصير في عملية تصفية استعمار الإقليم، من خلال التعبير الحر والحقيقي عن إرادة سكانه.
ويتعزز هذا المبدأ كذلك بالموقف الصادر عن اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في قرارها ACHPR/Res.282(LV)2014، المعتمد في 12 مايو/أيار 2014، إذ أكدت أن المادة 20(1) من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب تقر للشعوب بحق غير قابل للتصرف في تقرير المصير، وبحقها في أن تحدد بحرية وضعها السياسي وأن تختار بحرية مسار تنميتها الاقتصادية والاجتماعية.
ويتأكد مبدأ حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بصورة صريحة في الرأي القانوني الصادر عن مكتب المستشار القانوني لمفوضية الاتحاد الإفريقي في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2015، بشأن قانونية الأنشطة المتعلقة باستكشاف واستغلال الموارد الطبيعية في الصحراء الغربية، إذ أكد، في معرض تناوله لقواعد القانون الدولي الإنساني، أن القوة القائمة بالاحتلال لا يجوز لها تغيير الوضع القانوني أو المؤسسي أو السياسي للإقليم المحتل، باعتبار أن الاحتلال وضع مؤقت ولا يجوز للقوة القائمة بالاحتلال إدخال تغييرات دائمة في الإقليم.
ويشدد التجمع، في هذا السياق، على أن جوهر تقرير المصير لا يمكن تعويضه بمجرد المشاركة في مؤسسات أو انتخابات القوة المحتلة للإقليم، وإنما بتمكين الشعب المعني من التعبير الحر والحقيقي عن إرادته بشأن مستقبله السياسي، في إطار عملية تصفية الاستعمار تتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة والقواعد والمبادئ الدولية ذات الصلة.
ثالثا ـ الانتخابات المغربية بالجزء المحتل من الصحراء الغربية لا يمكن أن تحسم الوضع النهائي للإقليم:
إن إجراء قوة الاحتلال المغربي للانتخابات بالجزء المحتل من الصحراء الغربية لا يمكن من منظور القانون الدولي ان يشكل آلية لتسوية الوضع النهائي للإقليم أو ممارسة حق تقرير المصير.
ومن ثم، فإن مشاركة الجزء المحتل في هذه الانتخابات، أياً كان شكلها أو حجمها، لا ينبغي تفسيرها باعتبارها استفتاء على الوضع القانوني أو السياسي النهائي للصحراء الغربية، كما لا يمكن لنتائجها أن تنشئ، بذاتها، سندا قانونيا يشرعن السيادة على الإقليم، فالانتخابات التي تُجرى داخل النظام القانوني والإداري للقوة المحتلة للإقليم، ويدار وفق قوانينها ومؤسساتها الانتخابية، تختلف من حيث طبيعتها ووظيفتها عن عملية تمكّن الشعب المعني من حقه في تقرير المصير.
ويؤكد هذا الاستنتاج أيضا قرار اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ACHPR/Res.282(LV)2014، الذي أبقى معالجة الصحراء الغربية مرتبطة بمسألتين متلازمتين: وضع الإقليم باعتباره إقليما غير متمتع بالحكم الذاتي وموضوعاً لتصفية الاستعمار، وحق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير مصيره وتحديد وضعه السياسي بحرية.
ومن هذا المنطلق، فإن إجراء انتخابات ضمن المؤسسات السياسية والإدارية القائمة في الإقليم لا يحولها، من حيث طبيعتها أو مصدر تنظيمها، إلى ممارسة لحق تقرير المصير، ولا يمنح نتائجها أثرا قانونيا في تحديد الوضع النهائي للإقليم.
رابعاـ عدم الخلط بين المشاركة في آليات قوة الاحتلال وممارسة تقرير المصير:
يؤكد التجمع أن موقفه لا يستهدف المساس بحق المواطنين الصحراويين من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية، ولا ينطلق من موقف ضد المبدأ العام للانتخابات أو المشاركة السياسية كحق من حقوق الإنسان.
وإنما يتعلق الأمر بالسؤال الجوهري المرتبط بمدى شرعية إجراء الانتخابات بالجزء المحتل من الصحراء الغربية وموقعها من الوضع القانوني للإقليم.
فممارسة المدنيين الصحراويين لبعض الحقوق السياسية أو مشاركتهم في مؤسسات قوة الاحتلال لا تعني ممارسة الحق في تقرير المصير.
ويتقاطع هذا المبدأ مع ما خلصت له لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا في الفقرة 34 من وثيقتها CDL(2019)026 ، حيث أكدت أن الاحتلال ذو طبيعة مؤقتة، وأن القانون الدولي للاحتلال يفرض قيوداً على إدخال تغييرات مؤسسية مهمة في الإقليم الخاضع لسيطرة قوة الاحتلال، ولا سيما عندما يكون من شأن هذه التغييرات أن تستبق الوضع النهائي للإقليم.
في هذا السياق، تناولت لجنة البندقية مسألة إدماج إقليم محتل بصورة دائمة في الدائرة الانتخابية الوطنية للدولة القائمة بالاحتلال، ومد نطاق قوانينها الانتخابية إلى ذلك الإقليم، باعتبارهما من التدابير التي يمكن أن تثير مسألة التغيير المؤسسي المهم في الإقليم المحتل. وأحالت اللجنة، في سياق تأسيسها القانوني، إلى قواعد قانون الاحتلال، بما فيها المادة 43 من لائحة لاهاي لعام 1907 والمادتان 54 و64 من اتفاقية جنيف الرابعة.
خامسا ـ استخدام الانتخابات لفرض الولاء لقوة الاحتلال المغربي بالإقليم:
يرفض التجمع توظيف الانتخابات المغربية غير الشرعية وما يترتب عنها بالجزء المحتل بالصحراء الغربية في ترسيخ واقع سياسي وإداري قائم على الاكراه والسيطرة الفعلية، أو استخدامها لإضفاء مشروعية وآثار قانونية على احتلال الإقليم من خلال تواجد مؤسسات قوة الاحتلال المغربي.
كما يحذر من أن توظيف العملية الانتخابية في هذا السياق قد تترتب عليه انعكاسات تمس بالحقوق السياسية والمدنية للشعب الصحراوي، وعلى إمكانية التعبير السلمي عن مواقفهم، ولا سيما بالنسبة للمدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان والنشطاء الذين يعبرون سلمياً عن مواقفهم السياسية والحقوقية.
ويثير التجمع، في هذا السياق، مسألة حرية الاختيار الفعلية للشعب الصحراوي، ولا سيما في ظل ما يوثقه من أشكال للضغط الاجتماعي والاقتصادي التي قد تؤثر في قدرة بعض الصحراويين على اتخاذ موقف سياسي مستقل، بما في ذلك سياسة فرض الولاء لقوة الاحتلال المغربي مقابل الاستفادة من فرص العمل وبعض الحقوق.
سادسا ـ دعوة إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي:
انطلاقاً من الوضع الدولي للصحراء الغربية، يدعو تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان بالصحراء الغربية CODESA:
1 / الأمم المتحدة من أجل التعجيل بتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، وفق مبادئ وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
2 / الأمم المتحدة إلى عدم اعتبار الانتخابات المغربية الجارية بالصحراء الغربية، أو نتائجها آلية لتسوية الوضع النهائي للإقليم أو بديلا عن ممارسة الشعب الصحراوي لحقه في تقرير المصير.
3 / مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة والمبعوث الشخصي للأمين العام إلى ضمان بقاء العملية السياسية بارتباط بمبدأ تقرير المصير للشعب الصحراوي.
4 / الآليات الأممية المعنية بحقوق الإنسان إلى متابعة أوضاع الحقوق والحريات الأساسية في الصحراء الغربية.
5 / اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إلى مواصلة متابعة وضع حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة من الصحراء الغربية، وتفعيل ما يدخل ضمن ولايتها من آليات لحماية حقوق الشعب الصحراوي، بما في ذلك الحق في تقرير المصير والحق في حرية التعبير والتجمع السلمي، مع التأكيد على أن أي إجراءات انتخابية لا يمكن أن تحل محل ممارسة الشعب الصحراوي لحقه غير القابل للتصرف في تحديد وضعه السياسي بحرية.
يؤكد في الختام، تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان بالصحراء الغربية CODESA أن تنظيم الانتخابات المغربية بتاريخ 23 شتنبر 2026 بالجزء المحتل من الصحراء الغربية تجاوز للقانون الدولي ومحاولة لإدامة جريمة الاحتلال المغربي للصحراء الغربية، لذلك، فإن أي تسوية عادلة ودائمة لقضية الصحراء الغربية يتوجب أن تستند إلى احترام مبدأ حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير طبقا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي ذات الصلة بتصفية الاستعمار.
العيون – الصحراء الغربية بتاريخ : 18 أيلول / سبتمبر 2026.
المكتب التنفيذي لتجمع المدافعين الصحراويين
عن حقوق الإنسان بالصحراء الغربية.
(CODESA)
[1] The Legal Statuts of the West Bank and Gaza – Question of Palestine.
