نعم تم التصويت على منح الجنسية الاسبانية للصحراوين في المرحلة الأولى من مراحل الاجراءات القانونية بعد تطورا سياسيا و قانونيا مهما.
و لكن لا تجب المبالغة في دلالته : هو لا يعني اعترافا اسبانيا سياسيا بالحقوق المشروعة للصحراوين في تقرير المصير و الاستقلال، لكنه يفتح نافذة في جدار السياسة الاسبانية و يمكن للصحراوين استثمارها و البناء عليها.
- الدلالات التي يجب التوقف عندها:
اسبانيا تعود قانونيا إلى مسؤوليتها التاريخية ، أهمية الخطوة ليست في الوثائق الاسبانية التي ستمنح للصحراوين بحد ذاتها ، و إنما في الأساس القانوني الذي بنيت عليه ، هؤلاء ولدوا في أقليم كان تحت الإدارة الاسبانية ، هنا تكمن الدلالة السياسية ، فاسبانيا التي حاولت خلال العقود الماضية انكار مسؤوليتها التاريخية عن الإقليم ، و التعامل مع الصحراء الغربية كأنها خارج عن مسؤوليتها التاريخية و القانونية و السياسية ، فاليوم تعود عبر بوابة الجنسية بالاعتراف بأن هناك روابط تاريخية و قانونية مع الشعب.
الصحراوي ، القانون المقترح يستند إلى كون. المستفيدين ، ولدوا في الصحراء الغربية عندما كانت تحت الإدارة الاسبانية ، و ليس إلى كونهم مهاجرين او مقميين في اسبانيا .
- هل يعني منح الجنسية اعتراف سياسيا اسبانيا للشعب الصحراوي و قضيته العادلة ؟الجواب بالطبع لا. و لا تعني تغير الوضع القانوني للصحاء الغربية ، و لا تعني ان مدريد تخلت رسميا عن موقفها الداعم حاليا لمقترح الحكم الذاتي المغربي ، لكنها تمنح للصحراوين شيء مختلفا : اعتراف قانوني بوجود علاقة تاريخية خاصة بينهم و الدولة الاسبانية ، و ان هذا الشعب في يوم ما كان جزءا من الدولة الاسبانية ، و اذا استثمر سياسيا من طرف الصحراوين يمكن أن يصبح ذا اثر سياسي اكبر من مجرد وثائق هوية شخصية .
- التأثير على المغرب :
المغرب منذ سنوات يحاول تثبيت سردية ان الصحراوين جزءا تاريخيا و حاضرا من المجتمع السياسي و الدولة المغربية .
اما عندما تشهد مدريد عمليا ان هناك شعب صحراوي ولدوا افراده تحت الإدارة الاسبانية ، و ان اقليم الصحراء الغربيةكان خادعا انا ذاك لسيطرها .
و لهذا السبب يمكن لهم الحصول على الجنسية. الاسبانية انطلاقا من كونهم مواطنين اسبان سابقين ،
فهذا يعيد إلى الواجهة مفهوم الهوية الاجتماعية و. السياسية الصحراوية المنفصلة تاما ، عن الهوية. السياسية و الاجتماعية المغربية ، ولهذا أبدات الاوساط القريبة من سلطة القرار في المغرب ، بحسب التقارير الاسبانية ، قلقا من ان يؤدي القانون إلى تكريس. الاعتراف العالمي ، بالهوية الصحراوية المنفصلة و المتميزة .
-التأثير المحتمل على الجبهة الشعبية و على الدولة الصحراوية : اما بالنسبة جبهة البوليساريو و الدولة الصحراوية المسألة تحمل فرصة و خطرا في نفس الوقت ، يمكن للصحراوين ان يقولوا ان اسبانيا بدأت تتحمل جزءا من مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب الصحراوي الذي دابت على نكرانها طيلة العقود الماضية، و خصوصا ان القانون يأتي بعد عقود من خروجها من الصحراء الغربية ، كما أن حصول الصحراوين على الجنسية الاسبانية في مناطق تواجدهم : تحت الاحتلال المغربي ، و في مخيمات اللجؤ ، و في الشتاة ، قد يضع. قضاياهم المتعلقة ، بحقوق الانسان و تقرير المصير ،
في قلب النقاش في اسبانيا و الاتحاد الأوروبي ، و الامم المتحدة ، إذا استثمر الصحراوين وضعهم القانوني الجديد كمواطنين اوروبين من خلال الجنسية الاسبانية بعد حصولهم .
لكن الخطر الذي يجب أن تحذيروا منه ايها الصحراين على مستوى الأفراد و الشعب و الحركة و الدولة ، اذا تحولت الجنسية الاسبانية إلى بديل عن تقرير المصير ، او ان اصبحت تؤثر على مسار التحرير ، لبسط السيادة الشعب الصحراوي علىكامل ترابه الوطني .
لانه من خلال الحصول على الجنسية الاسبانية قد ينشأ منطق جديد ، ( حل المشاكل الانسانية و القانون بصفة فردية للصحراوين ) ، و ترك مشكلة السيادة و تقرير المصير ، وهذا سيكون خطير جدا على مسار تصفية الاستعمار في الصحراءالغربية ، و مستقبل الدولة الصحراوية .
- مفارقة تاريخية يجب التوقف عندها :
اسبانيا خرجت من الصحراء الغربية سنة 1975 ، لكنها تعود إليها الان عبر تجنيس الصحراوين ، ليس ، عسكريا ، و لا اداريا ، بل عبر المواطنة و الذاكرة و التعويض التاريخي للصحراوين ، و هذا إن كان الهدف منه سياسيا قد يكون أكثر ذكاءا من موقف سياسي معلن ،
لانه يسمح لاسبانيا ان تقول نحن لا نتدخل في النزاع ، نحن فقط نصحح وضعا تاريخيا ، اتجاه سكان كان تحت ادارتنا يوما ما ، لكن الهدف السياسي قد يكون أوسع و أعمق.
- الأمم المتحدة :
الجنسية الاسبانية لا تغير وحدها طبيعة النزاع القانونية في الأمم المتحدة كقضية تصفية استعمار ، ولكنها ستضيف عناصر مهمة إلى النقاش, مثلا : من هم أصحاب القضية ؟ و من هي المجموعة المعنية بحق تقرير المصير ؟ ، فإذا أصبح عشرات الالاف من الصحراوين يحملون الجنسية الاسبانية ، فإن وجودهم القانوني و السياسي داخل الاتحاد الأوروبي، سيزداد قوة ، و قد يصبح هناك مستقبلا لوبي صحراوي اسباني اوروبي، اكثر تنظيما و تاثيرا داخل مطابخ صنع القرار الأوروبي، وهذه في رأي إحدى اهم النتائج الاستراتيجية ، لان الجنسية الاسبانية تساوي الجنسية الاوروبية ، و بالتالي فإن الصحراوي الذي حصل على الجنسية الاسبانية ، سيصبح مواطنا في الاتحاد الأوروبي، بما يرتبط بذالك من حقوق قانونية مدنية و سياسية ، وفق القواعد الاوروبية المتقدمة عالميا ، في هذا المجال ، و بالضبط ما يجعل المسألة تتجاوز
العلاقة الاسبانية الصحراوية إلى العالمية ، ان صح التعبير.
- السؤال الأكبر لماذا التصويت على القانون الان ؟ :
التوقيت في نظري شديد الأهمية:
توتر اسباني مغربي على اثر غزو 80 الف مغربي مدينة سبتة الاسبانية .
استمرار الحرب في الصحراء الغربية بين المغرب و الصحروين منذ اختراق المغرب لوقف إطلاق النار 2020 .
دخول الوساط الأمريكية على المسار الأمم بين جبهة البوليساريو و المغرب و تهميش دور اسبانيا المستعمر السابق للإقليم .
اقتراب الاستحقاق الأممي المتعلق بقرار مجلس الأمن المرتقب في شهر أكتوبر القادم ، و مصير تواجد المينورصو من عدم في الصحراء الغربية .
وجود نقاش اسباني داخلي حول مسؤولية مدريد التاريخية ، و اين المصلحة الاسبانية ، هل مع المغرب أو مع الشعب الصحراوي ، و زاد سخونة هذا النقاش الداخلي الاسباني الاسباني تصاعد حضور الجيل الصحراوي الجديد ، في الإعلام و السياسة ، و من أبرز الوجوه : النايب البرلمانية الشابة تسلم سيدي
التهليل ، و الصحفين الطالب اعلي سالم و البشير محمد لحسن ، و الكثرين مع الدور المميز الذي يلعبه أفراد الجاليات الصحراوية في اسبانيا .
لهذا لا اعتقد ان المسألة يمكن قراءتها باعتبارها اجراءا اداريا فقط .
- خلاصة سياسية عامة :
الجنسية الاسبانية ليست اعترافا بتقرير المصير ، و لا بالدولة الصحراوية ، لكنها قد تصيح أداة جديدة في معركة الاعتراف بالهوية الصحراوية ، ان احسن استثمارها، وتأثيرها يكمن في ثلاثة محاور : حقوق الانسان ، المحور القانوني و السياسي ، و التوظيف الاعلامي الجيد .
التأثير في البداية لصالح القضية الصحراوية ، لن يكن مباشرا لكنه قابل للتراكم ، و بذالك سيخلق الفارق ، و الأخطر على المغرب ليس ان يصبح الصحراوين اسبانا ، و إنما ان يصبحوا اسبانا و و هم يحتفظون بهويتهم الصحراوية المتميزة ، اجتماعية و سياسيا ، و لنا في ذالك مثال : النائب من أصل صحراوي البرلمانية الشابة تسلم سيدي التهليل، و الصحفين و الاعلامين و الكتاب و الأدباء بالغة الاسبانية و الفنانين و المحامين الصحراوين .
اما بالنسبةجبهة البوليساريو و الدولة الصحراوية الفرصة الحقيقية ليست في حصول الصحراوين على الوثائق الاسبانية ، بل في تحويل هذا المكسب إلى قضية قانونية و سياسية على المستوى الاسباني ، و على مستوى الاتحاد الأوروبي ، من خلال مسؤولية اسبانيا التاريخية، و الوضع الانساني للاجئين الصحراوين ، و الحق في تقرير المصير ،و حق الصحراوين في الحماية تحت الاحتلال المغربي.
وبهذا يمكن أن يتحول قانون الجنسية ، من تعويض في حق تاريخي ، إلى رافعة سياسية جديد اذا احسنا استثمارها.
انا لا اخفي خيبتي الشديدة من جبهة البوليساريو و الحكومة الصحراوية ، من عدم استغلالهم للحدث و الاستثمار فيه إعلاميا و سياسيا ، كان بالامكان القيام بمظاهرات كبيرة في في اسبانيا و ظهور مسؤولين الصحراوين ، على وسائل الإعلامية ، التي قطت الحدث بجميع وساءيطها الإعلامية .
بعد ان تم التصويت على القانون و تم تسجيل غياب جبهة الوليساريو و الحكومة الصحراوية عن المشهد . خرج علينا البرلمان الصحراوي ببيان ترحبي باهت. بالقانون ، يثمن الخطوة و يعتبرها غير كافية .
ان التعامل مع الأحداث بهذه البساطة يعني اننا لازلنا أسرى عقلية رد الفعل في الوقت الضاءيع، بينما العالم يتغير من حولنا و تعاد صياغة موازين القوى و التحالفات و الموافق الدولية ، تجاه قضية الصحراء الغربية ، و ترسم خرايط جوسياسية ، في منطقة شمال أفريقيا و الساحل.
إذا العالم يتغير ، و لا ينتظر أحدا، من لا يشارك في رسم السياسات الدولية ، قد يجد نفسه مضطرا إلى البحث عن مكان داخلها، ليس هذا عيب ، بل العيب هي النفشة .
بقلم : ابراهيم عبد الله - برلماني سابق
