رغم الحراك الأمريكي المتزايد حول قضية الصحراء الغربية، فإن تصريحات مبعوثها الخاص، مسعد بولس، بأن التوصل إلى حل لا يزال بعيدا، تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن حدود التأثير الأمريكي في مسار التسوية.
فبعد ثلاث جولات من التفاوض وصفت بأنها بناءة ومثمرة، لم يتمكن الطرفان من الوصول إلى اتفاق نهائي، ما يعكس استمرار الفجوة بين المواقف المطروحة، ويطرح سؤالا أساسيا حول إمكانية الموقف الأمريكي دفع مسار التفاوض نحو تسوية، أم أن الخلافات القائمة تتجاوز قدرة أي طرف دولي على حسمها؟
الاعتراف الأمريكي لا يحسم مسار التسوية
رغم أهمية التحول في الموقف الأمريكي، فإن الاعتراف السياسي لا يتحول تلقائيا إلى اتفاق بين أطراف النزاع، وهو ما يفسر استمرار المسار التفاوضي رغم الدعم الأمريكي للمقترح المغربي.
يقول الإعلامي الصحراوي محمد فاضل في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إن هناك مؤشرا مهما يتمثل في محدودية قدرة الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية على تحويل هذا الاعتراف إلى موقف سياسي قادر على تسوية القضية.
ويوضح المتحدث ذاته أن واشنطن ما تزال تؤكد أن موقفها واضح، من خلال الاعتراف بالسيادة المغربية ودعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره حلا أساسيا للقضية، لكن في المقابل يقول مبعوثها الخاص، السيد مسعد بولس، في تصريحه الأخير لإذاعة فرنسا الدولية إنه لا توجد تسوية وشيكة وإن الحل ليس قريبا وذلك بعد ثلاث جولات من التفاوض.
ويضيف فاضل أن الاعتراف الأمريكي يمكن أن يغير موازين المواقف الدولية أو يؤثر في اتجاهاتها، لكنه لا يستطيع أن ينتج موافقة الطرف الذي يتفاوض من أجل أهداف مختلفة، فالاعتراف بمغربية الصحراء، بحسبه، هو موقف أمريكي، أما التسوية السياسية فتحتاج إلى اتفاق بين الطرفين المتنازعين؛ وهما المملكة المغربية وجبهة البوليساريو.
قرارات الأمم المتحدة تظل حاضرة في مسار التسوية
بينما يحاول الاحتلال المغربي الاستناد إلى مواقف دولية تدعم رؤيته، يبقى المسار الأممي إطارا أساسيا لأي تسوية سياسية، وهو ما يجعل المفاوضات مرتبطة أيضا بما تنص عليه القرارات الدولية ذات الصلة.
في هذا السياق، يرى محمد فاضل أن الوثائق الأممية المرتبطة بالمسار التفاوضي لا تجعل من الموقف الأمريكي بديلا عن التفاوض، بل تؤكد ضرورة الوصول إلى حل سياسي متوافق عليه، مع احترام مبدأ تقرير المصير.
ويشير الإعلامي الصحراوي إلى أن جبهة البوليساريو أعلنت في سبتمبر أن أي حل يجب أن يضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، طبقا لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويؤكد فاضل أن الموقف الأمريكي مهما كان لصالح المغرب، يظل موقف دولة ومن حقها اتخاذه، لكنه لا يعني القفز على القرارات الدولية المرتبطة بالقضية الصحراوية، ولا على ما يتعلق بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
عندما يصبح سقف التفاوض محل خلاف
لا يرتبط تعثر المفاوضات فقط بتباعد مواقف الطرفين، وإنما أيضا بمدى اتساع مساحة التفاوض أمامهما للوصول إلى صيغة مشتركة، وهنا تبرز مسألة الحكم الذاتي باعتباره الطرح الذي تتمسك به الرباط كإطار للحل.
ويقول فاضل إن اختلاف مواقف الاحتلال المغربي وجبهة البوليساريو هو في حد ذاته جزء أساسي من الأزمة، لكنه في الوقت نفسه سبب التفاوض أصلا، لأن المفاوضات تنشأ عندما لا تتفق الأطراف على الحل، غير أنه يرى أن المسألة تصبح أكثر تعقيدا عندما تُخاض المفاوضات وسقف الحل محدد مسبقا.
ويلفت في هذا السياق إلى إعلان وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في الأمم المتحدة عن ست لاءات، من بينها أن الحل يكون فقط في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وأن التفاوض ينبغي أن يتم على أساس مبادرة الحكم الذاتي، ومن هنا، يطرح فاضل جوهر الإشكال، هل التفاوض مفتوح لاكتشاف صيغة يقبل بها الطرفان، المغرب وجبهة البوليساريو؟ أم أن التفاوض يجري داخل نتيجة تم تحديدها مسبقا، بينما يقتصر النقاش فقط على كيفية الوصول إليها؟
ثلاث جولات تفاوض.. لكن لا اتفاق نهائيا
رغم وصف الجولات التفاوضية بالإيجابية والبناءة، فإن غياب اتفاق نهائي يعكس استمرار الخلافات الأساسية، وهو ما يعطي تصريحات مسعد بولس بشأن بُعد الحل أهمية خاصة.
ويعتقد محمد فاضل إلى أن مسعد بولس أكد أن ثلاث جولات من التفاوض جرت بالفعل، ووصفت بأنها بناءة ومثمرة، لكنها لم تنتج بعد حلا متوافقا عليه، كما أشار إلى أنه لا يوجد حل وشيك في الوقت الراهن.
ويعتبر أن عبارة بولس بأن الحل ليس قريبا تعكس أن ثلاث جولات من الحوار، رغم وصفها بالإيجابية والبناءة، لم تنتج بعد توافقا نهائيا.
هل يمكن تضييق مساحة الخلاف داخل التفاوض؟
ويبقى السؤال الأهم متعلقا بطبيعة التفاوض نفسه: هل يستطيع أن يكون مساحة للبحث عن تسوية، أم أن اختلاف الرؤى بشأن النتيجة النهائية يجعل هامش المناورة محدودا منذ البداية، قائلا إنه لا يمكن، من هذه المعطيات وحدها، الجزم بأن أحد الأطراف يفرض نتيجة مسبقا، لكنه يرى أن من طبيعة التفاوض أن يكون وسيلة للوصول إلى اتفاق يرضي الطرفين.
ومن هنا، يخلص إلى أن الأزمة ليست في اختلاف مواقف الطرفين، فهذا هو سبب التفاوض أصلا، وإنما في أن تصبح مساحة التفاوض أضيق من مساحة الخلاف نفسها.
الدور الأمريكي.. تأثير سياسي أم قدرة على صناعة التسوية؟
وبين الاعتراف الأمريكي من جهة، واستمرار الخلاف بين طرفي النزاع من جهة أخرى، يبرز السؤال حول حدود قدرة واشنطن والقوى الدولية على دفع المسار نحو اتفاق نهائي.
ويرى محمد فاضل أن الوصول إلى اتفاق يقتضي، من حيث المبدأ، أن تكون المفاوضات مفتوحة أمام الطرفين، وأن تسهم القوى الدولية، سواء الولايات المتحدة أو غيرها ومجلس الأمن في دفعهما نحو حل متوافق عليه، بما ينسجم مع قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.
ويؤكد أن الاعتراف الأمريكي يمكن أن يؤثر في ميزان المواقف الدولية، لكنه لا يحسم وحده مسار التسوية لأن الحسم السياسي يتطلب في النهاية اتفاقا بين أطراف النزاع.
وفي نهاية المطاف، تظل معادلة التسوية مرتبطة بقدرة المسار التفاوضي على الجمع بين المواقف المتباعدة، في ظل تمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي وتمسك جبهة البوليساريو بمطلب تقرير المصير.
ويؤكد فاضل أن أي تسوية ينبغي أن تراعي حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، بما يجعلها منسجمة مع القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة.
وهكذا، فإن تصريحات مسعد بولس بأن الحل لا يزال بعيدا لا تعكس فقط استمرار الخلاف السياسي بين الطرفين، بل تكشف أيضا عن صعوبة تحويل المواقف الدولية مهما كان وزنها، إلى اتفاق نهائي ما لم تتسع مساحة التفاوض بما يكفي لاستيعاب مواقف طرفي النزاع والوصول إلى صيغة متوافق عليها، تضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره والاستقلال وفقا لقرارات الشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة.
سارة حميدي - الأيام نيوز
