سعيد الصغير.. قائدٌ لم يعرف للخطوط الأمامية بديلاً

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

بقلم محمدلمين بشري البودناني 

في ذاكرة الكفاح الوطني الصحراوي، تبقى أسماء بعض الرجال أكبر من أن تختصرها رتبة عسكرية أو معركة واحدة. ومن بين هذه الأسماء يبرز الشهيد سعيد الصغير، قائداً ميدانياً جمع بين الشجاعة والذكاء العسكري، وبين مسؤولية القيادة وروح المقاتل الذي لا يرى لنفسه مكاناً إلا حيث يوجد رفاقه.
تتحدث شهادات منشورة عن أن سعيد الصغير كان من أبرز قادة كتائب المقاومة في السنوات الأولى للحرب، وأنه تولى قيادة الناحية الأولى بعد استشهاد قائدها سيدي حيذوك، وهي ناحية عُرفت بصعوبة مجال عملياتها وخطورة وجودها خلف خطوط العدو. كما تصفه الشهادة بأنه كان بارعاً في الكمائن والإغارات والهجمات السريعة. 
لكن ما يميز سعيد الصغير أكثر من كل ذلك هو نموذجه القيادي.
لم يكن من أولئك القادة الذين تصنع بينهم وبين المقاتلين مسافة من الرتب والمواقع. فقد كان، كما تروي الشهادة، يعيش مع وحداته حياة المقاتل العادي، يلبس مثلهم، يأكل معهم، ويركب سياراتهم، ويكون في مقدمتهم، ونادراً ما يغادر الميدان إلى الخلف إلا عندما تفرض عليه القيادة حضور اجتماع رسمي. 
وهذه ليست مجرد تفاصيل عابرة؛ إنها جوهر القيادة التي يحتاجها المقاتل في أصعب الظروف.
فالقائد الذي يطلب من رجاله مواجهة الخطر، ثم يقف خلفهم، شيء؛ والقائد الذي يكون بينهم وفي مقدمتهم، شيء آخر تماماً.
وسعيد الصغير كان من الصنف الثاني.
كان يعرف أن الناحية التي يقودها تعمل في واحدة من أخطر مناطق الحرب، خلف خطوط العدو، حيث يمكن لأي خطأ صغير أن يتحول إلى كارثة. ولذلك اعتمد على الحركة والمباغتة والكمائن والضربات السريعة، وهي أساليب نسبت إليه في شهادات عن قيادته للناحية الأولى. 
لكن شجاعته لم تكن شجاعة اندفاع أعمى؛ كانت شجاعة القائد الذي يعرف الخطر ويواجهه.
وفي 12 يونيو 1979، عندما توجهت الدورية نحو منطقة طانطان ومينائها، كان سعيد الصغير بنفسه مع المقاتلين. وخلال الاشتباك، وبينما كان يقف وسط رجاله وينظم المعركة، أصيب في صدره إصابة قاتلة. وتروي الشهادة أن رفاقه حاولوا إسعافه ونقله إلى الخلف، قبل أن يستشهد متأثراً بجراحه. 

وهنا تتجلى مرة أخرى صورة القائد الذي لم يكن يكتفي بإصدار الأوامر من بعيد.
كان في قلب المعركة، وسط رفاقه، وفي المكان الذي كان يمكن أن يكون فيه أي مقاتل من مقاتليه.
ولذلك فإن استشهاد سعيد الصغير لا يُقرأ فقط باعتباره فقدان قائد عسكري، وإنما باعتباره مثالاً على نوع من القيادة التي صنعتها سنوات الحرب: قيادة تقوم على القدوة قبل الأمر، وعلى المشاركة قبل التوجيه، وعلى التضحية قبل طلب التضحية من الآخرين.
لقد كان بإمكان قائد الناحية أن يبحث عن مكان أكثر أمناً، لكنه اختار أن يكون حيث يوجد رجاله.
وهذه هي الشجاعة التي قلّ مثلها.
قائدٌ يعيش بين مقاتليه
إن أعظم ما يمكن أن يُقال عن سعيد الصغير أنه لم يسمح للرتبة أن تفصله عن المقاتلين.
ظل قريباً منهم، يعرف ظروفهم، يتحرك معهم، ويتقاسم معهم مشقة الميدان. وفي حرب تعتمد على سرعة الحركة والمباغتة والوجود خلف خطوط الخصم، لم تكن القيادة امتيازاً، بل كانت عبئاً ومسؤولية ومخاطرة يومية.
ولهذا بقيت صورته في ذاكرة رفاقه باعتباره قائداً مقاتلاً، لا مجرد قائد عسكري.
وحتى عندما كان بإمكانه العودة إلى الخلف، كان يميل إلى البقاء مع وحداته، لأن مكانه الطبيعي، كما تصفه الشهادات، كان في الميدان. 

رحل القائد وبقي النموذج
استشهد سعيد الصغير، لكن صورة القائد الذي كان دائماً وأبداً في الصفوف الأمامية بين رفاقه بقيت حاضرة.
فالأوطان لا تحفظ أسماء الشهداء بسبب المناصب التي حملوها فقط، وإنما بسبب ما قدموه من نماذج إنسانية ونضالية.
وسعيد الصغير ترك نموذجاً واضحاً:
أن تكون قائداً يعني أن تكون أول من يتحمل الخطر، وأن تكون قريباً من مقاتليك، وأن تشاركهم المشقة، وأن لا تطلب منهم ما لا تستطيع أنت القيام به.
لهذا فإن الشهيد سعيد الصغير يستحق أن يُستحضر باعتباره واحداً من نماذج القائد الميداني الصحراوي الشجاع؛ القائد الذي لم تصنعه الرتبة، بل صنعته ساحات القتال، ولم ترفعه المناصب، بل رفعته مواقفه بين رفاقه.
لقد رحل جسده في إحدى معارك الحرب، لكن صورته بقيت شاهدة على زمن كان فيه القائد يسير مع مقاتليه، ويقاتل معهم، ويشاركهم الخطر، ويواجه المصير نفسه.
رحم الله الشهيد سعيد الصغير، القائد الذي لم يعرف للصفوف الأمامية بديلاً، ولم يجعل بينه وبين رفاقه حاجزاً، وظل حتى آخر الطريق مقاتلاً بينهم وقائداً لهم.
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.