ليست كل الأخبار المتزامنة هذه الأيام أحداثاً منفصلة. فرفع مستوى العلاقات المغربية–الإسرائيلية إلى مستوى السفراء، والأزمة المغربية–الإسبانية، والانتخابات الإسرائيلية، والانتخابات النصفية الأميركية، والانتخابات البرلمانية المغربية، والاستحقاق الرئاسي الفرنسي المقبل، كلها تتحرك في فضاء إقليمي ودولي واحد. لكن وراء هذا المشهد المتشابك تقف قضية لا يمكن تجاوزها: الصحراء الغربية المحتلة.
في 16 سبتمبر، اتفقت إسرائيل والمغرب على الارتقاء بعلاقاتهما الدبلوماسية إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، في لقاء ثلاثي جمع وزيري خارجية البلدين والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة.
وليس من السهل التعامل مع هذه الخطوة باعتبارها مجرد ترقية بروتوكولية. فالعلاقات المغربية–الإسرائيلية لم تبدأ من فراغ، ولا يمكن اختزالها في مجرد «استئناف» لعلاقات انقطعت؛ بل هي علاقة أعيد ترتيبها منذ 2020 ضمن سياق أوسع، وتتجه اليوم إلى مرحلة أكثر عمقاً، ذات أبعاد جيوسياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز التمثيل الدبلوماسي نفسه.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الخطوة باعتبارها جزءاً من ترتيبات وتقاطعات أميركية–إسرائيلية–مغربية، مع حضور إماراتي في بنية التحالفات الإقليمية التي نشأت حول اتفاقات أبراهام. وفي المقابل، يسعى المغرب إلى توسيع شبكة علاقاته الدولية وتثبيت موقفه في قضية الصحراء الغربية المحتلة.
والنتيجة، بصرف النظر عن توصيفها، أن هذه الترتيبات جعلت المخزن أكثر اندماجاً في أدوار وظيفية داخل شبكة إقليمية تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإسرائيلية والخليجية، وهو ما يمنح العلاقة المغربية–الإسرائيلية دلالة تتجاوز حدودها الثنائية.
أما الأزمة مع مدريد، ولا سيما ما ارتبط بسبتة والهجرة، فتضيف بعداً آخر إلى المشهد، في مرحلة تعيد فيها الرباط ترتيب أوراقها مع القوى الأوروبية والإقليمية.
التوقيت ليس عادياً. ففي المغرب تجري الانتخابات التشريعية في 23 سبتمبر، وسط نقاش حول البطالة، خصوصاً بين الشباب، وتراجع الثقة في المؤسسات، وصراعات داخل المشهد السياسي، مع غياب شبه تام للملك عن الواجهة السياسية والإعلامية خلال هذه المرحلة. وتشير المعطيات الحالية إلى مشاركة 27 حزباً في انتخابات مجلس النواب.
وفي إسرائيل، تقترب انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر، بينما تأتي الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر لتحدد تركيبة الكونغرس خلال المرحلة المقبلة.
وفي فرنسا أيضاً بدأت مبكراً حسابات الاستحقاق الرئاسي المقرر في أبريل ومايو 2027، بما يجعل السياسة الخارجية الفرنسية، بما فيها ملف الصحراء الغربية والعلاقات مع المغرب، جزءاً من بيئة سياسية أوروبية آخذة في إعادة التشكل.
وهكذا تتقاطع، خلال فترة قصيرة، حسابات الرباط وتل أبيب وواشنطن وباريس، بينما تبقى الصحراء الغربية المحتلة حاضرة في قلب جانب مهم من هذه الحسابات.
وسط هذه الحركة كلها، تبدو الصحراء الغربية المحتلة هي العقدة، وهنا تكمن حساسية الظرفية.
فولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو» تنتهي في 31 أكتوبر المقبل، بعد أن مددها مجلس الأمن لمدة سنة بموجب القرار 2797.
وهنا تكمن المسألة الأشد حساسية.
فمجلس الأمن لن يكون أمام تجديد تقني لولاية بعثة أممية فحسب، بل أمام محطة يمكن أن تؤثر في مستقبل العملية السياسية نفسها وفي طبيعة الدور الذي ستؤديه الأمم المتحدة خلال المرحلة المقبلة.
والقرار 2797 حمل تحولاً مهماً في لغة مجلس الأمن، إذ جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، مع الإبقاء على هدف الوصول إلى حل سياسي متوافق عليه يضمن تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في أكتوبر ليس فقط: هل ستُجدد ولاية المينورسو؟ بل: بأي صيغة ستُجدد؟ وبأي لغة؟ وبأي مهام؟ وإلى أين ستتجه العملية السياسية بعدها؟
وهنا يصبح توقيت رفع العلاقات المغربية–الإسرائيلية إلى مستوى السفراء أكثر دلالة. فقبل الدخول في مرحلة أكتوبر، يتحرك المغرب لتثبيت شبكة أوسع من العلاقات والتحالفات والمواقف الدولية المؤيدة لموقفه في الصحراء الغربية.
لكن ذلك لا يعني أن القضية حُسمت. فالاعترافات والمواقف السياسية شيء، والتسوية النهائية للنزاع شيء آخر؛ كما أن أي تحول في لغة مجلس الأمن أو في دور الأمم المتحدة لا يلغي وجود الطرف الصحراوي ولا يلغي الطبيعة الدولية للنزاع.
الموعد الذي يستحق كل الانتباه
السفراء، والانتخابات في الرباط وتل أبيب وواشنطن، والحسابات الفرنسية، والأزمة مع مدريد، كلها خيوط تتقاطع في مشهد واحد. لكن الصحراء الغربية هي مركز ثقل هذا المشهد، بل قلب العاصفة نفسها.
فالانتخابات قد تغير الحكومات والمجالس، والسفراء قد يرفعون مستوى العلاقات، والتحالفات قد يعاد تشكيلها؛ أما أكتوبر المقبل فقد يفتح نقاشاً أكثر حساسية حول مستقبل المينورسو والمسار الأممي.
ولهذا ربما لا يكون خبر رفع مستوى العلاقات المغربية–الإسرائيلية هو العنوان الأهم في المشهد، بل ما الذي يُراد تثبيته قبل أكتوبر، وما الذي سيحدث داخل مجلس الأمن بعده.
ومن هنا تحديداً، تبدو الصحراء الغربية المحتلة ليست ملفاً من ملفات السياسة الدولية فحسب، وإنما المقياس الذي يكشف اتجاه معظم هذه التحركات: من الرباط إلى تل أبيب، ومن مدريد إلى واشنطن وباريس، وصولاً إلى مجلس الأمن.
أكتوبر يقترب... ولذلك فإن قراءة ما يجري اليوم لا ينبغي أن تتوقف عند السفراء ولا عند صناديق الاقتراع، بل يجب أن تتجه إلى ما وراءها: إلى الصحراء الغربية، وإلى المينورسو، وإلى القرار الذي قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة.
20/09/2026
سلامة مولود اباعلي
