إن الجهل يهدم أركان أي أمة تتطلع إلى العزة والسيادة، ومع استفحال اللامبالاة تتراجع الأفكار وتتلاشى القيم شيئاً فشيئاً، لتزداد الصورة قتامة كلما تأملنا واقع الاستحقاقات والانتخابات، والتعطش إلى السلطة، والولاءات للأشخاص على حساب الوطن، ووضع «حسبة الفريك» قبل «حسبة الكل»، وانتزاع الروح العلمية من المجتمع، وتحول جزء من الناس إلى البحث عن رفاهية الحياة المادية، دون إيلاء القراءة والكتابة والعلم المكانة التي تستحقها باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من حياة الإنسان وبناء المجتمعات.
ويبدو المشهد في بعض جوانبه اليوم أشبه بمصارعة الثيران الإسبانية؛ صراعٌ يتحول إلى استعراض يثير دهشة المتابعين، بينما يغيب جوهر القضية والمصلحة العامة. وهو مشهد يذكرنا أيضاً بما عرفته المسارح الرومانية والإغريقية القديمة، حين كان الإنسان الأعزل يُقدَّم فريسةً أمام الوحوش لإرضاء الجمهور والطبقات المسيطرة.
وفي سياق آخر، يحتل الجمل في الموروث الاجتماعي الصحراوي مكانة بارزة، ليس باعتباره وسيلة للعيش والتنقل فحسب، وإنما بوصفه جزءاً من الذاكرة الجماعية للمجتمع. ويتميز فحل الإبل، أو «أكعود»، بصفات جعلته في المخيال الشعبي رمزاً للقيادة والقوة والغيرة على القطيع والدفاع عنه أمام المخاطر.
ومن هنا يمكن الانتقال إلى قضية أكثر أهمية، وهي التربية. فالإنسان لا يولد مكتملاً في سلوكه ووعيه، وإنما تتشكل شخصيته عبر الأسرة والبيئة والتعليم والمجتمع. وتبرز هذه الحقيقة بصورة خاصة خلال مراحل الطفولة والمراهقة، حين يحتاج الأبناء إلى متابعة وتوجيه مستمرين من الآباء والأمهات، وإلى بيئة تساعدهم على بناء شخصية متوازنة قادرة على تحمل المسؤولية واحترام الآخرين.
إن التربية الإنسانية هي إحدى أهم ركائز البناء البشري، والأسرة هي نواتها الأولى. ولا يمكن لهذه التربية أن تؤدي دورها كاملاً دون تضافر جهود الأب والأم ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، وفي مقدمتها المدرسة والمسجد والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، التي تساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل وعي الأجيال.
الأرض والإنسان.. ذاكرة لا تنفصل
عرف الإنسان الصحراوي أرضه التاريخية، الساقية الحمراء ووادي الذهب، باعتبارها مجالاً للحياة والكرامة والانتماء، ومنها امتدت علاقات بشرية وثقافية وتجارية إلى مناطق وبلدان مختلفة من شمال إفريقيا والمشرق العربي.
غير أن هذه الأرض تعرضت، على مدى عقود، لمشاريع استعمارية وتقسيمية تركت آثاراً عميقة على الإنسان والمجتمع. وكان من أبرز محطات تلك المرحلة الاتفاق الثلاثي الموقّع في مدريد يوم 14 نوفمبر 1975، وما ترتب عليه من تقسيم للإقليم بين قوى خارجية، في سياق تجاهل حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
وقد حفظ الشعر الحساني جانباً مهماً من ذاكرة المجتمع الصحراوي، ومن ذلك ما ورد في أشعار الأديب والباحث في اللهجة الحسانية المرحوم بادي ولد محمد سالم ولد عبدالله، الذي وثّق في شعره تحولات المكان وما طرأ عليه من تغيرات اجتماعية وثقافية خلال تلك المرحلة.
ومن أبياته:
«مارت ان الدهر الغدار
ما يدوم على حال امال
ذيك دار الطرطاق ودار
أجوير ودار أغزمال
خاليات ألا ماهي نار
ولا اتلا فلعلب انوال
عاد وصت اكْلاب الكمون
غزاف وفاس وميمون
ذاك ماهو من شي مظنون
كان وغرب منو مزال
(ماماس) فواد اجحفون
خابطتها ريح الشمال»
وتحمل هذه الأبيات، في قراءتها الشعبية والتاريخية، صوراً عن التحولات التي طرأت على المكان والبيئة والمجتمع، كما تعكس قدرة الشعر الحساني على تسجيل الأحداث والتغيرات وحفظ الذاكرة الجماعية للأجيال.
وهنا تبرز أهمية المحافظة على التراث الشفهي والشعر الحساني، ليس باعتباره موروثاً أدبياً فحسب، وإنما باعتباره وثيقة اجتماعية وثقافية تساعد الأجيال الجديدة على فهم تاريخ مجتمعها وتحولاته.
إلى أين نحن ذاهبون؟
إن الواقع الراهن يعرف تغيرات متسارعة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، وهو ما يفرض على المجتمع القدرة على التكيف مع هذه المتغيرات، دون التفريط في هويته وقيمه وثوابته.
وكما يقول المثل الشعبي الصحراوي: «محاذاة العطارة بزوكني»؛ أي إن من لا يستطيع مواكبة المتغيرات قد يجد نفسه خارج مسار الأحداث.
ومن أهم القضايا التي ينبغي التوقف عندها والعمل عليها:
أولاً: بناء الأسرة السليمة.
ينبغي تعزيز دور الأسرة في التربية على أساس القيم الدينية والأخلاقية والوطنية، مع التأكيد على أن مسؤولية التربية مشتركة بين الآباء والأمهات، ولا ينبغي أن تُلقى على عاتق الأم وحدها.
ثانياً: الاهتمام بالمعلم ومؤسسات التنشئة.
لا يمكن بناء مجتمع واعٍ دون معلم يحظى بالتقدير المادي والمعنوي، ومؤسسات تعليمية وثقافية واجتماعية قادرة على أداء رسالتها.
ثالثاً: مراجعة المناهج الدراسية.
تحتاج المناهج، وخاصة في مجالات التاريخ والثقافة والعلوم الإنسانية، إلى مراجعة مستمرة بما يعزز معرفة الأجيال بتاريخها وهويتها وتراثها، ويربط التعليم بحاجات المجتمع ومستقبله.
رابعاً: مواجهة ظاهرة الطلاق والتسرب المدرسي.
هاتان الظاهرتان تمثلان تحدياً اجتماعياً وتربوياً يتطلب دراسات جادة وبرامج عملية للوقاية والعلاج، بدلاً من الاكتفاء بتشخيص المشكلة.
خامساً: فتح آفاق أمام الشباب.
يحتاج الشباب إلى مشاريع واضحة، وفرص للتكوين والعمل، وتشجيع المبادرات الاقتصادية، والاستفادة من إمكانات التعاون مع دول الجوار، بما يساعد على الحد من البطالة والفراغ والتهميش.
سادساً: الاهتمام بالمقاتلين والمناضلين والمناضلات.
إن الذين قدموا سنوات من أعمارهم في خدمة القضية الوطنية يستحقون العناية والرعاية وتوفير شروط العيش الكريم لهم ولأسرهم، بما يحفظ مكانتهم ويعزز الثقة بين الأجيال.
سابعاً: تنظيم دور الجالية الصحراوية.
تمثل الجالية في الخارج رصيداً بشرياً وثقافياً وسياسياً مهماً، ولذلك فإن تنظيم جهودها وتنسيقها يمكن أن يحولها إلى قوة داعمة للقضية الوطنية، ومواجهة الحملات والمناورات المعادية في الخارج.
ثامناً: تعزيز الأمن ومحاربة الجريمة.
إن الحفاظ على أمن المجتمع مسؤولية جماعية، ويتطلب تقوية مؤسسات الأمن والقوة العمومية، ومحاربة الجريمة المنظمة وشبكات المخدرات، مع احترام القانون وحقوق المواطنين.
تاسعاً: القرب من الجماهير.
إن وجود القيادات والمسؤولين بين المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم ومشاكلهم، شرط أساسي لنجاح أي مشروع سياسي أو اجتماعي. فالقيادة التي تبتعد عن الجماهير تفقد تدريجياً القدرة على فهم الواقع، بينما القرب من الناس يجعل القرار أكثر ارتباطاً بحاجاتهم الحقيقية.
الوعي أولاً
إن معركة بناء المجتمع ليست أقل أهمية من أي معركة أخرى، لأن قوة الشعوب لا تقاس فقط بما تملك من إمكانات مادية، وإنما بما تمتلكه من وعي وعلم وتنظيم وقدرة على النقد والمراجعة.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس جلد الذات ولا البحث عن المسؤولية لدى الآخرين فقط، وإنما امتلاك الشجاعة للاعتراف بمواطن الخلل، والبحث عن حلول واقعية لها.
فالمجتمع الذي يريد أن يصنع مستقبله يحتاج إلى مدرسة قوية، وأسرة متماسكة، وشباب متعلم، ومؤسسات مسؤولة، وقيادة قريبة من الجماهير، ووعي يحمي الهوية ويحسن التعامل مع المتغيرات.
إن بناء الإنسان هو البداية، والوعي هو الأساس، والوطن هو الغاية. ومن دون إنسان متعلم وواعٍ بماضيه وحاضره ومستقبله، ستظل كل المشاريع معرضة للاهتزاز.
محمد عالي لمن
باحث
