من سبتة إلى الصحراء الغربية.. هل أصبحت سياسات الرباط مصدر توتر دائم في غرب المتوسط؟

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
جديد
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

ما حدث في الشارع الإسباني مؤخرا، من مشاهد احتجاج وغضب وصلت إلى حد تمزيق العلم المغربي، لا يمكن قراءته بوصفه حادثة معزولة أو مجرد تعبير عابر عن حالة احتقان ظرفية. فهذه الصور، مهما اختلفت المواقف منها، تعكس وجود توتر سياسي وإعلامي متزايد داخل إسبانيا تجاه السياسات التي تنتهجها الرباط في علاقتها مع الجوار الأوروبي، وتطرح أسئلة أعمق حول طبيعة المقاربة المغربية في إدارة ملفات الهجرة والأمن والعلاقات الإقليمية.

فخلال السنوات الأخيرة، لم تعد العلاقة المغربية الإسبانية تُقرأ فقط من زاوية التعاون الاقتصادي أو التنسيق الأمني، بل أصبحت مرتبطة أيضا بملفات حساسة، على رأسها الهجرة غير النظامية، ومكافحة الجريمة المنظمة، والتعاون الأمني، إضافة إلى قضية الصحراء الغربية التي لا تزال تمثل إحدى أكثر القضايا تعقيدا في شمال أفريقيا وغرب المتوسط.

وبالنسبة للشعب الصحراوي، فإن ما يجري اليوم في سبتة ومليلية يعيد إلى الواجهة سؤالا ظل مطروحا منذ عقود: هل يمكن بناء استقرار دائم في المنطقة مع استمرار تجاهل حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وتقديم منطق التوازنات الظرفية على حساب الشرعية الدولية؟

لقد أثبتت التجارب أن المقاربات الأمنية وحدها لا تصنع الاستقرار. فالرهان على تدبير الأزمات دون معالجة جذورها السياسية والقانونية يؤدي غالبا إلى إعادة إنتاج التوتر بأشكال جديدة. ومن هذا المنطلق، تبدو قضية الصحراء الغربية أكثر من مجرد نزاع إقليمي؛ إنها قضية تصفية استعمار لا تزال مطروحة أمام الأمم المتحدة، ومرتبطة بشكل مباشر بمستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة.

وفي قراءة أوسع للتطورات الأخيرة، لا تبدو الهجمات الجماعية على سبتة ومليلية مجرد أزمة هجرة عابرة، بل تأتي في سياق تاريخي وسياسي أوسع عرفته المنطقة منذ عقود. فقد شهدت العلاقات المغربية مع محيطها الإقليمي نزاعات وخلافات متكررة، من حرب الرمال مع الجزائر سنة 1963، إلى الخلاف حول موريتانيا، وصولا إلى اجتياح الصحراء الغربية سنة 1975، وهي أحداث ما تزال تلقي بظلالها على المشهد الإقليمي حتى اليوم.

وبذلك، تكشف التطورات المتسارعة أن الخطر الذي تمثله السياسات المغربية لا ينبغي اختزاله في ملفات الهجرة أو المخدرات أو التوترات الثنائية مع إسبانيا، بل يستدعي قراءة إقليمية أشمل لطبيعة سلوك دولة ارتبط تاريخها الحديث بنزاعات ومطالب إقليمية مع محيطها، وتواصل اليوم إنتاج التوتر في فضائها الإقليمي.

ومن منظور الأمن الإقليمي، فإن استخدام ملفات الهجرة والأمن والعلاقات الاقتصادية كأوراق ضغط سياسية، إلى جانب استمرار النزاعات المفتوحة في المنطقة، يجعل من الضروري إعادة التفكير في الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها الاستقرار في شمال أفريقيا وغرب المتوسط. فالسلم الدائم لا يمكن أن يُبنى على منطق الأمر الواقع، ولا على تجاهل القضايا غير المحلولة، بل على احترام القانون الدولي، وتسوية النزاعات وفق الشرعية الدولية، وضمان حقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
وتبقى الصحراء الغربية، في هذا السياق، اختبارا حقيقيا لقدرة المجتمع الدولي على التوفيق بين متطلبات الأمن والاستقرار وبين مبادئ العدالة والقانون الدولي. فاستقرار المنطقة لن يتحقق عبر إدارة الأزمات فقط، بل عبر معالجة جذورها السياسية والتاريخية بصورة عادلة ومستدامة.
إن ما يجري اليوم في غرب المتوسط ليس مجرد أزمة حدود أو هجرة، بل هو سؤال مفتوح حول شكل النظام الإقليمي الذي تريده شعوب المنطقة: نظام يقوم على التعاون والاحترام المتبادل والشرعية الدولية، أم على إدارة الأزمات وفرض موازين القوة والأمر الواقع.
بابا السيد لعروسي
صحفي ودبلوماسي صحراوي
المصدر: الأيام نيوز 
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.