في السادس عشر من سبتمبر، انتقلت العلاقات المغربية ـ الإسرائيلية إلى مستوى السفارات، مع الإعلان عن تعيين سفراء وتوسيع التعاون بين الجانبين، في لقاء ثلاثي بنيويورك جمع وزيرَي خارجية المغرب وإسرائيل واستضافه السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
لم تكن الرباط تنظر إلى هذا التطور باعتباره مجرد رفع للتمثيل الدبلوماسي مع تل أبيب؛ فقد جاء في سياق شراكة متنامية مع واشنطن، وبعد سنوات من الرهان على الدعم الأمريكي للموقف المغربي في قضية الصحراء الغربية المحتلة. ولذلك كان متوقعاً أن تنتظر الرباط أن يوازي هذا التقارب موقف أمريكي أكثر حسماً في الملف، وأن تضيق واشنطن أكثر على البوليساريو.
لكن التطورات اللاحقة لم تأتِ على الصورة التي كان يمكن أن تنتظرها الرباط.
ففي السادس والعشرين من سبتمبر، أكد مسعد بولس عدم وجود حل وشيك، ودعا البوليساريو إلى تقديم رد رسمي والانخراط في المسار السياسي.
وبعد أربعة أيام فقط، جاء ما هو أكثر دلالة: مايك والتز، الذي كان حاضراً في لقاء رفع العلاقات المغربية ـ الإسرائيلية إلى مستوى السفارات، استقبل في نيويورك وفداً من جبهة البوليساريو.
وهنا تكمن أهمية التوقيت، لا مجرد أهمية اللقاء.
فواشنطن، وهي تعزز علاقتها بالرباط وتشارك في رعاية تقاربها مع إسرائيل، لم تتصرف على أساس أن ملف الصحراء الغربية قد أُغلق أو أن التواصل مع البوليساريو أصبح غير ذي صلة. بل أبقت لنفسها قناة مباشرة معه، في الوقت الذي تؤكد فيه دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للحل.
وهذه معادلة مختلفة عن الحسم الذي قد تكون الرباط أرادته من هذا التقارب: دعم أمريكي للموقف المغربي، مع إبقاء التفاوض مفتوحاً وعدم إسقاط البوليساريو من الحسابات السياسية.
لذلك، فإن لقاء والتز بوفد البوليساريو لا يمثل بالضرورة تراجعاً أمريكياً عن الموقف المعلن تجاه المغرب، لكنه يكشف حدود ما يمكن أن يترتب على التقارب المغربي ـ الأمريكي ـ الإسرائيلي. فالعلاقات الدبلوماسية قد تُرفع إلى مستوى السفارات، والتحالفات قد تتسع، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن واشنطن مستعدة لتحويل هذا التقارب إلى حسم نهائي للنزاع.
والرسالة الأوضح من تسلسل الأحداث هي أن واشنطن تريد الاحتفاظ بمفتاحَي العلاقة مع الرباط ومسار التفاوض في آن واحد؛ فلا تقطع مع المغرب، ولا تغلق الباب أمام البوليساريو.
ومن هنا، فإن المفاجأة ليست في أن واشنطن استقبلت وفداً من البوليساريو، وإنما في أن اللقاء جاء بعد أيام قليلة من رفع مستوى العلاقات المغربية ـ الإسرائيلية إلى السفارات، وبعد تصريحات بولس مباشرة.
وإذا كانت الرباط قد توقعت أن يكون رفع التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل، برعاية أمريكية، مقدمةً لموقف أمريكي أكثر حسماً في قضية الصحراء الغربية المحتلة، فإن ما ظهر حتى الآن يقول شيئاً آخر:
واشنطن تقترب أكثر من الرباط، لكنها لم تسلّمها مفاتيح الملف.
سلامة مولود اباعلي.
