حرب النقد والنقد الذاتي: لماذا؟

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

 


تحوّل النقد والنقد الذاتي إلى حرب تحرق الأخضر واليابس، وتفصل رفيق الدرب عن رفيقه، وفي بعض الأحيان تحوّلهما إلى أعداء، يتنابزون بالألقاب، ويتقابحون، كلٌّ على طريقته، للنيل من الآخر.

وهذا الانحراف في المفاهيم والسلوكيات طغى على المشهد السياسي في السنوات الأخيرة، ولوّثه وشوّهه وخلط الحابل بالنابل، إلى درجة أن كثيرًا منا أصبح لا يستطيع التمييز بين الحقيقة والبهتان، رغم شساعة المسافة بينهما.

نعم، النقد والنقد الذاتي مبدأ من مبادئ الثورة، وهو أسلوب عملي وعلمي اعتمدته الثورة الصحراوية لتصحيح الأخطاء وتقييم السلوك على مستوى الأفراد والهياكل التنظيمية. وكان له أثر إيجابي على المناضلين والمسيرين بصفة عامة، طيلة مسيرة الثورة الصحراوية، وخاصة خلال السنوات الأولى لانطلاقتها.

والثورة، كما تعلمون، انطلقت من لا شيء: لا تجربة سياسية ولا تنظيمية، لأن الصحراء الغربية لم تعرف في ذلك الوقت أحزابًا سياسية ولا حتى منظمات مدنية، إذ إن الاستعمار، منذ قدومه إلى الصحراء الغربية، عمل على سياسة ممنهجة هدفها تجهيل الشعب وتفقيره، والإبقاء عليه تابعًا وخانعًا، لا حول له ولا قوة.

وإذا كان النقد، من خلال نقاش هادئ بين المناضلين والمسيرين، هو الوسيلة المتاحة لتقوية تماسك التنظيم، وتوعية الجماهير، وإشاعة روح التعاون والتضامن والروح الرفاقية بين المناضلين والمسيرين، فإن من عايشوا تلك المرحلة من المناضلين يشهدون بأن النقد والنقد الذاتي حققا ما كان يُرجى منهما في ذلك الوقت.

أما اليوم، ويا للمفارقة العجيبة، فقد أصبح النقد والتقييم، اللذان يُفترض أن يكونا موضع ترحيب من الجميع، باعتبارهما وسيلة ناجحة وناجعة لتقييم وتصويب الاختلالات والإخفاقات في التسيير، عدوًا رقم واحد لدى البعض، وخاصة المسؤولين ومن يحوم حولهم.

فهم يعتبرونه تنقيصًا من قدرهم، وشتيمة في حقهم، وتعديًا وقلة احترام لمكانتهم التنظيمية والاجتماعية. وأصبح الرد من طرف المنقود على الناقد عبارة عن نوع من الفوضوية والعشوائية، تتدخل فيها النعرات العائلية والأصحاب والعشيرة والقبيلة... إلخ.

وهكذا تحوّل النقد البناء، الذي كان هدفه التقييم والتقويم والتصحيح والاستفادة من الأخطاء والإخفاقات، ووضع خطط وبرامج سليمة، إلى حروب مفتوحة لا نهاية لها، يشارك فيها من هبّ ودبّ.

والأخطر من ذلك أن هذه الصراعات أصبحت مستغلة من طرف مخابرات العدو، التي تنفخ فيها وتبث سمومها الخبيثة، من دون أن ننتبه إليها، نتيجة الانفعال والغضب والعصبية الزائدة عن اللزوم.

وهذا كله ألقى بظلاله على الرأي العام الوطني، وأربك المشهد الإعلامي والسياسي وشوّهه، وأفرغ الهدف النبيل من النقد من مضمونه.

وبعد هذا التقييم القصير والموجز، أرى أنه في هذه المرحلة يجب التركيز على طرح الأفكار والبدائل والحلول، بدلًا من الاكتفاء بالنقد المباشر.

فالنقد الحقيقي ليس غاية في حد ذاته، ولا وسيلة لتصفية الحسابات أو الانتقام، وإنما هو أداة للبناء والإصلاح، وتصحيح المسار، وتعزيز العمل الجماعي، وحماية المشروع الوطني من الأخطاء والانحرافات.

لقد كانت الثورة في بداياتها تدرك أن النقد والنقد الذاتي وسيلة لتقوية الصف، وليس لتفكيكه؛ ولجمع المناضلين، وليس لزرع العداوة بينهم. ومن هنا، فإن استعادة المعنى الحقيقي للنقد والنقد الذاتي تقتضي أن نعيدهما إلى وظيفتهما الأصلية: النقد من أجل الإصلاح، والنقد الذاتي من أجل التطوير، والحوار من أجل الوحدة، والاختلاف من أجل الوصول إلى الأفضل.

أما تحويل النقد إلى معركة شخصية، أو إلى تصفية حسابات، أو إلى اصطفافات عائلية وقبلية وتنظيمية، فإنه لا يخدم إلا أعداء القضية، ويُضعف الجبهة الداخلية، ويبدّد الجهد الذي يفترض أن يُوجَّه إلى مواجهة التحديات الحقيقية التي تواجه شعبنا وقضيته الوطنية.
بقلم : ابراهيم عبد الله - برلماني سابق
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.