من مدرسة الشهيد الولي مصطفى السيد إلى ساحات الشهادة — الحلقة الأولى من سلسلة «لحبيب.. جيلٌ حمل الراية»
لم يكن التعليم بالنسبة إلى لحبيب بديلاً عن التحرير، ولم تكن الشهادة الجامعية نهاية الطريق؛ بل تحولت المعرفة إلى وسيلة لخدمة المشروع الوطني، وتحول الشباب إلى طاقة فعلية في الميدان.
وهذه بالضبط إحدى السمات التي طبعت تجربة مفجر الثورة الصحراوية الولي مصطفى السيد؛ فقد كان شاباً متعلماً، جمع بين الفكر والعمل والتنظيم، وبرز مبكراً في صفوف الحركة الوطنية، قبل أن يصبح قائداً لمشروع الثورة الصحراوية.
وتؤكد المراجع التي تناولت إرث الشهيد الولي أن قوته لم تكن في حمل السلاح وحده، بل في قدرته على الجمع بين الوعي والتنظيم والعمل، وتحويل الفكرة إلى قوة سياسية واجتماعية وميدانية.
ولهذا فإن استشهاد لحبيب محمد عبد العزيز في هذه اللحظة التاريخية يبدو، في الذاكرة الصحراوية، أكثر من واقعة عسكرية، إنه استمرار لسلسلة الأجيال.
الجيل الذي أسس الثورة.
ثم الجيل الذي حمل مسؤولية التحرير وبناء الدولة.
ثم الجيل الذي تربى في مدارس الثورة ومؤسساتها.
ثم جيل جديد يعود إلى الميدان حاملاً ما تعلمه من أولئك الذين سبقوه.
وهنا تستعيد كلمات نيلسون مانديلا معناها التحرري العابر للحدود، حين قال إن الشباب قادرون، عندما يتحركون، على إسقاط أبراج القهر ورفع رايات الحرية.
لقد كان لحبيب واحداً من أولئك الشباب.
لم ينتظر أن تصبح المعركة تاريخاً حتى يكتب عنها، بل دخل التاريخ من بوابة المشاركة فيها... وصدق فيه قول الشهيد الولي مصطفى السيد : "إذا أرادت القدرة الخلود للإنسان سخرته لخدمة الجماهير ".
لم يكن يوم السابع من يونيو/حزيران 2026 يوماً عادياً في الذاكرة الصحراوية.
في ذلك اليوم، أُعلن عن استشهاد لحبيب محمد عبد العزيز، عضو الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو وقائد اللواء الأول الميداني، في ساحات المعركة، رفقة اثنين من مقاتلي جيش التحرير الشعبي الصحراوي.
وبينما كانت أخبار الاستشهاد تنتشر، لم تكن الذاكرة تستحضر قائداً عسكرياً فقط، ولا عضواً في هيئة سياسية فحسب، بل كانت تستعيد قصة جيل كامل.
جيل وُلد بعد انطلاق الثورة.
جيل لم يعش سنوات التأسيس الأولى، لكنه تربى في ظلها.
جيل لم يشهد الولي مصطفى السيد وهو يضع اللبنات الأولى للمشروع التحرري الصحراوي، لكنه نشأ في المؤسسات التي تركها جيل الولي وراءه.
ومن بين أبناء ذلك الجيل كان لحبيب محمد عبد العزيز.
ولد سنة 1989 في مخيمات العزة والكرامة وهنا تبدأ الحكاية.
طفلٌ يولد في المخيم.. وقضيةٌ تكبر معه، حين ولد لحبيب، كانت الثورة الصحراوية قد قطعت أكثر من عقد ونصف منذ انطلاقتها.
كان جيل المؤسسين قد دخل التاريخ.
وكانت أجيال جديدة قد بدأت تنشأ في المخيمات، في واقع لم يكن اللجوء فيه مجرد مكان للسكن، وإنما فضاءً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً تشكلت داخله ذاكرة شعب وقضيته.
في هذا السياق نشأ الطفل لحبيب.
تلقى تعليمه الأساسي، وحفظ كتاب الله، ثم واصل مساره الدراسي حتى انتقل إلى التعليم المتوسط والثانوي و العالي في الجزائر، حيث حصل على شهادة الإجازة في العلاقات الدولية.
هذه التفاصيل، التي قد تبدو لأول وهلة مجرد معلومات في سيرة شخصية، تحمل في الحقيقة مفتاحاً لفهم جيله.
فهذا الشاب لم يولد في زمن كانت فيه القضية الصحراوية مجرد فكرة ناشئة تبحث عن الاعتراف.
لقد ولد في زمن أصبحت فيه القضية مشروعاً منظماً، ومؤسسات، ومجتمعاً يعيش في ظروف اللجوء، ودولة تحظى باعتراف اكثر من 80 دولة من مختلف القارات، وجيشاً يحمل إرث عقود من الكفاح المسلح.
وهكذا فإن مسيرة الشهيد لحبيب لا تبدأ من البندقية إنها تبدأ من المدرسة لتنتهي في ميادين التضحية
وفي قراءة سيرة شاب قضى الجزء الأكبر من حياته في مواقع المسؤولية، تبدو هذه المعلومة ذات أهمية خاصة.
فالإنسان الذي يتلقى تكوينه الأول في بيئة أسرية ومجتمعية محافظة، ثم ينتقل إلى التعليم النظامي والجامعي، قبل أن يلتحق بالمؤسسة العسكرية، لا يمكن اختزال شخصيته في الوظيفة التي انتهى إليها.
لقد كان هناك مسار طويل من التكوين.
وهذه المراحل لا تعمل منفصلة، وإنما تتقاطع في صناعة الشخصية.
ومن هنا يمكن فهم واحدة من أهم القضايا التي ستعود إليها هذه السلسلة في حلقاتها القادمة:
كيف تُصنع القيادات في المجتمعات التي تناضل من اجل الحرية؟
هل تبدأ صناعة القائد عندما يحمل السلاح؟ أم تبدأ قبل ذلك بكثير؟
ربما تبدأ عندما يتعلم الطفل معنى المسؤولية، والانضباط، والانتماء، وخدمة المجتمع.
---
الجامعة الجزائرية.. عندما يصبح التعليم جزءاً من المعركة
لم يكن الطريق الذي اختاره لحبيب طريقاً عسكرياً منذ البداية، لقد ذهب إلى الجامعة ودرس العلاقات الدولية وحصل على شهادة الإجازة.
وكان أمامه، كما أمام أي شاب جامعي، أكثر من احتمال لمستقبله.
لكن المسار الذي اختاره لاحقاً أعاد تعريف شهادته الجامعية داخل تجربته الشخصية.
ففي نوفمبر 2011، وبعد استكمال دراسته العليا، التحق بصفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي، وهو لا يزال في ريعان الشباب وتلقى بعد ذلك عدداً من التكوينات العسكرية، من أبرزها دورة القوات الخاصة سنة 2012، ثم دورة القيادة والأركان خلال 2017–2018.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة في سيرة هذا الجيل:
الشاب الذي درس العلاقات الدولية اختار أن يدخل مؤسسة عسكرية لان مهمة التحرير من الاحتلال لا تزال قائمة
وهنا تظهر ان المفارقة ليست تناقضاً بالضرورة.
فالعلاقات الدولية تدرس الصراع والقوة والدولة والمصالح والتحالفات، بينما المؤسسة العسكرية تمثل أحد أدوات الدولة في إدارة الصراع.
وبالنسبة إلى لحبيب، انتقلت المعرفة من قاعات الدراسة إلى تجربة المسؤولية.
لقد اختار أن يجعل من علمه جزءاً من مساره الوطني.
2011.. عام القرار
قد يكون نوفمبر 2011 واحداً من أهم التواريخ في سيرة الشهيد لحبيب.
ففي ذلك الشهر انتقل من مرحلة الطالب إلى مرحلة المقاتل والانتقال هنا ليس مجرد تغيير في المهنة، إنه انتقال في طبيعة المسؤولية.
الطالب مسؤول أولاً عن نفسه ومستقبله، أما المقاتل، فيتحمل مسؤولية جماعية أكبر ومن هنا تبدأ المرحلة الثانية من مسيرة الشهيد لحبيب.
وهذه النقطة ستكون أساسية في فهم الشخصية التي ستظهر لاحقاً في المناصب القيادية، فالقائد لا يولد قائداً بمجرد حصوله على رتبة.
القيادة، في العادة، هي تراكم سنوات من الاختبار، اختبار في الميدان، اختبار في الانضباط، اختبار في المسؤولية، اختبار في التعامل مع الآخرين، واختبار في القدرة على تحمل الأعباء.
جيل لم يعرف الولي.. لكنه حمل أفكاره
حين التحق لحبيب بصفوف جيش التحرير سنة 2011، كان قد مضى نحو خمسة وثلاثين عاماً على استشهاد الولي مصطفى السيد.
كان الزعيم الولي قد استشهد في 1976 وهو يقود هجوم نواكشوط، لكن المدرسة التي ارتبط باسمه بها لم ترحل.
فالرجل الذي جمع بين العمل السياسي والعسكري والتنظيمي، قامت تجربته على تحويل القضية الوطنية إلى مشروع منظم منوط به تحقيق الكرامة والحرية للشعب الصحراوي.
وفي قراءة لإرث الشهيد الولي، تبرز أهمية التنظيم والعمل الوطني وبناء جيش التحرير الشعبي الصحراوي، وعلى مركزية التضحية والعمل المنظم وبناء الإنسان.
هنا يمكن فهم الفارق بين الجيل الذي أسس والجيل الذي ورث.
الشهيد الولي كان من جيل رأى ضرورة الانتقال من مرحلة التشتت والعدمية السياسية إلى التنظيم والثورة، أما الشهيد لحبيب فكان من جيل تربى داخل التنظيم نفسه وهذا فارق تاريخي مهم.
فالجيل الأول كان عليه أن يخلق ارضية التحرير ويؤسس لبناء الكيان الوطني، أما الجيل الثاني فكان عليه أن يتعلم كيف يحمل المسؤولية الى تحقيق الهدف الاسمى في الحرية والاستقلال.
الشباب.. ليسوا مجرد مستقبل
في أدبيات حركات التحرر، يحتل الشباب موقعاً خاصاً.
الشباب هم الفئة التي تستطيع الانتقال من الإيمان بالفكرة إلى التجربة العملية بسرعة أكبر.
لكن تجربة لحبيب تقدم معنى آخر: الشباب ليسوا فقط مستقبل المشروع؛ يمكن أن يكونوا حاضره عندما تُلقى المسؤولية على أكتافهم.
فحين التحق لحبيب بالجيش كان في أوائل العشرينات.
وحين تلقى تكوين القوات الخاصة كان شاباً وحين دخل دورة القيادة والأركان كان يراكم تجربة ومسؤولية.
ثم بدأ صعوده في هرم المسؤولية العسكرية وهنا لا تكمن أهمية سيرته في أنه كان صغير السن فحسب.
بل في أن الشباب يمكن أن يتحول إلى كفاءة عندما تقترن الفرصة بالتكوين والمسؤولية والانضباط.
وهذه الفكرة ستصبح أحد المحاور الرئيسية في الحلقة السادسة من هذه السلسلة، التي ستقارن تجربة الشباب الصحراوي بتجارب الشباب في حركات التحرر الإفريقية والعالمية.
تدرج لحبيب في مسؤوليات عسكرية متعددة، من قائد فصيلة إلى قائد كتيبة، ثم تولى مسؤوليات إدارية وتدريبية، وشارك في هيئة الأركان العامة، وأصبح مديراً مركزياً للتدريب، قبل أن يتولى قيادة اللواء الأول الميداني منذ 2024، ثم ينتخب عضواً في الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو في المؤتمر السادس عشر.
هذه المسيرة تقول شيئاً مهماً: إن الشاب الميداني الطموح، لم يبقَ مجرد مقاتل شاب، لقد تحول تدريجياً إلى إطار، ثم إلى مسؤول، ثم إلى قائد، ثم إلى شخصية تجمع بين المسؤولية العسكرية والسياسية.
السابع من يونيو.. حين عاد الجيل إلى الميدان
في السابع من يونيو 2026، انتهت الرحلة الشخصية، لكنها لم تنتهِ في مكتب، ولا في قاعة اجتماعات، ولا بعد تقاعد، انتهت في الميدان، حيث ارتقى لحبيب شهيداً في ساحات المعركة رفقة اثنين من مقاتلي جيش التحرير الشعبي الصحراوي، وأعلنت رئاسة الجمهورية حداداً وطنياً لمدة ثلاثة أيام.
وهنا يمكن القول إن قصة الشهيد لحبيب تقدم نموذجاً للشاب الملتزم بخط الثورة ولانتقال الثورة بين الأجيال، جيل الولي أسس، جيل محمد عبد العزيز حافظ على الاستمرارية وبنى المؤسسات وجيل لحبيب ورث الثورة وتحمل مسؤولية قيادتها.
هذه ليست مقارنة بين أشخاص، وإنما محاولة لفهم حركة التاريخ داخل مجتمع عاش عقوداً من الكفاح من اجل الحرية.
