الجنسية الإسبانية للصحراويين: خمس قراءات في الإنصاف والهوية ومسؤولية إسبانيا.

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

احمد علين محمد سالم
ولا يعني ذلك أن القانون الإسباني، بمفرده، سيحسم النزاع الدولي أو يحدد نهائيًا الهيئة الناخبة في استفتاء تقرير المصير؛ فهذه مسائل يحكمها إطار قانوني وأممي أوسع. لكنه سيؤسس، داخل المنظومة القانونية الإسبانية، لتمييز واضح بين الصحراوي بوصفه صاحب رابطة تاريخية وقانونية أصيلة بالإقليم، وبين الوجود الاستيطاني المغربي الناتج عن الاحتلال. ومن هنا تتحول الجنسية من مسألة إدارية فردية إلى عنصر جديد في المعركة القانونية والسياسية التي يخوضها الصحراويون دفاعًا عن هويتهم وحقوقهم الوطنية
تقدم هذه المادة قراءةً ورصدًا للكاتب الصحراوي أحمد علين محمد سالم، يتتبع من خلالهما كيفية تفاعل الصحراويين، من مواقع ومستويات مختلفة، مع مشروع القانون المتعلق بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية المحتلة خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية. ولا تكتفي القراءة بجمع المواقف وردود الفعل، بل تحاول تفكيك دلالاتها السياسية والقانونية، والكشف عن نقاط التقاطع والاختلاف بينها، وما تعكسه من تصورات صحراوية حول الإنصاف التاريخي والهوية الوطنية ومسؤولية إسبانيا عن استكمال تصفية الاستعمار.

وتنتقل المادة من المستوى الرسمي، ممثلًا في موقف الدولة الصحراوية وجبهة البوليساريو، إلى المستوى النقابي والمدني، ثم إلى القراءة الدبلوماسية والقانونية، قبل أن تتوقف عند المقاربة الإعلامية وما أثاره المشروع في كتابات الكتّاب والمدونين الصحراويين. ومن خلال هذه الأصوات المتعددة، يرصد «الكاتب» كيف تجاوز النقاش مسألة الحصول على الجنسية بوصفها حقًا فرديًا، ليتحول إلى نقاش أوسع حول الاعتراف بالشعب الصحراوي، والتمييز بين صاحب الأرض والمستوطن، وموقع المشروع ضمن المعركة القانونية والسياسية التي يخوضها الصحراويون ضد الاحتلال المغربي.
أعاد تصويت مجلس النواب الإسباني، في 10 سبتمبر 2026، على مشروع منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية المحتلة، خلال فترة الإدارة الإسبانية، أسئلة الذاكرة والمسؤولية التاريخية إلى قلب النقاش السياسي الإسباني والصحراوي.

ولم يُقرأ التصويت من طرف الرآي العام الصحراوي، باعتباره إجراءً متعلقًا بالجنسية وحدها، بل بوصفه حدثًا تتقاطع فيه حقوق الأفراد مع هوية الشعب الصحراوي، وتلتقي عنده آثار الماضي الاستعماري مع مسار تصفية الاستعمار الذي لم يكتمل بعد. نحاول في هذه المادة ان نفهم خمس قراءات صحراوية للحدث: قراءة رسمية تعبّر عن موقف جبهة البوليساريو والدولة الصحراوية، وأخرى دبلوماسية، وثالثة نقابية ومدنية، ورابعة إعلامية قانونية تتابع مسار المشروع داخل المؤسستين التشريعيتين الإسبانيتين، واخيرا قرأة تعبّر عن النقاش الذي أثاره القرار بين الكتّاب والمدونين الصحراويين.

ورغم اختلاف المواقع التي ينطلق منها أصحاب هذه المواقف، فإنها تلتقي عند فكرة أساسية: الجنسية خطوة مهمة في اتجاه الإنصاف، لكنها لا تختصر القضية الصحراوية ولا تُسقط مسؤولية إسبانيا عن استكمال تصفية الاستعمار.

البشير مصطفى السيد: قطرة إنصاف لا تسدد الدين التاريخي
يمثل موقف البشير مصطفى السيد، رئيس المجلس الوطني الصحراوي وعضو الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو، القراءة الرسمية للتصويت الإسباني. وهي قراءة ترحب بالمشروع، لكنها تضعه منذ البداية داخل حدود واضحة: ما تحقق خطوة مهمة، لكنه لا يمثل سوى جزء محدود من المسؤولية التاريخية والسياسية الملقاة على عاتق إسبانيا.

«يمكن اعتباره قطرة إنصاف وبداية متواضعة في طريق تصحيح جزء من المظلمة التاريخية، وصرفًا غير مكتمل للدين الكبير الذي ما زالت إسبانيا مطالبة بالوفاء به».

لا يتعامل الموقف الرسمي مع الجنسية باعتبارها منحة جديدة، بل باعتبارها استعادة لحق انتُزع من الصحراويين نتيجة الطريقة التي أنهت بها إسبانيا وجودها الاستعماري في الصحراء الغربية. فقد غادرت مدريد الإقليم من دون تمكين شعبه من ممارسة حقه في تقرير المصير، وتركت خلفها فراغًا استعماريًا دفعت الصحراء الغربية ثمنه احتلالًا وحربًا ولجوءًا وتشريدًا.

وفي الوقت نفسه، يرفض هذا الموقف الخلط بين استعادة الجنسية وبين البحث عن هوية بديلة:

«الشعب الصحراوي لا يبحث عن هوية بديلة، فقد قال كلمته واختار هويته الوطنية، واختار طريقه نحو الحرية والاستقلال».

هنا يظهر الفصل الواضح بين مستويين: الجنسية باعتبارها حقًا فرديًا وقانونيًا، والهوية الصحراوية باعتبارها انتماءً وطنيًا وحقًا جماعيًا في السيادة. فالصحراوي قد يستعيد وثيقة إسبانية حُرم منها، لكن ذلك لا ينزع عنه هويته ولا يحوّل الجنسية إلى بديل عن وطنه. كما تحمل القراءة الرسمية نقدًا للتناقض القائم داخل الدولة الإسبانية: ففي الوقت الذي يعيد فيه البرلمان الاعتبار إلى الصلة التاريخية والقانونية بين إسبانيا والشعب الصحراوي، تواصل الحكومة تبني الموقف الذي أعلنه بيدرو سانشيز سنة 2022 لمصلحة الاحتلال المغربي.

المصدر: وكالة الأنباء الصحراوية «واص»
اضغط لقرآة البيان

الديبلوماسي والكاتب الصحراوي فاضل كمال: الجنسية لا تنهي مسار تصفية الاستعمار
يضع فاضل كمال، ممثل جبهة البوليساريو في أستراليا، التصويت ضمن إطاره الدبلوماسي والقانوني الدولي. فهو يرحب بالمشروع باعتباره اعترافًا بحقوق انتُزعت من الصحراويين، لكنه يؤكد أن مسؤولية إسبانيا لا تنتهي عند معالجة أوضاع بعض الأفراد.

«إن تصويت البرلمان الإسباني على مشروع القانون القاضي بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية يُعد خطوة إيجابية تستحق الترحيب».

محور هذه القراءة هو اتفاق مدريد لسنة 1975، وما إذا كان ذلك الاتفاق قد أنهى المسؤولية الإسبانية أو نقل السيادة على الصحراء الغربية. ويؤكد فاضل كمال أن الاتفاق لم يؤدِّ، من الناحية القانونية، إلى استكمال تصفية الاستعمار، كما لم يمنح المغرب السيادة على الإقليم.

«فاتفاقيات مدريد لعام 1975 لم تؤدِّ، من الناحية القانونية، إلى تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، كما أنها لم تنقل السيادة على الإقليم».

لذلك تميز هذه القراءة بين معالجة النتائج الفردية للاستعمار ومعالجة أصل القضية. منح الجنسية قد يصحح وضعًا قانونيًا ألحق الضرر بآلاف الصحراويين، لكنه لا ينهي وجود الصحراء الغربية على قائمة الأقاليم التي لم تستكمل تصفية الاستعمار، ولا يعوض الشعب الصحراوي عن ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير.

«مسؤولية إسبانيا تجاه الصحراء الغربية وشعبها لا تنتهي عند هذا الحد، بل تظل قائمة إلى أن تكتمل عملية تصفية الاستعمار من الإقليم».

وبذلك يدعو فاضل كمال إسبانيا إلى البناء على هذه الخطوة، والانتقال من الاعتراف ببعض آثار الماضي إلى موقف سياسي وقانوني فعلي يدعم إنهاء الاستعمار.

المصدر: صفحة فاضل كمال على فيسبوك

نفعي الامين العام لإتحاد العمال: الجنسية وضع قانوني والانتماء قرار سيادي
تنطلق قراءة نفعي، الأمين العام لاتحاد عمال الصحراء الحمراء ووادي الذهب، من الواقع الذي فرضه اللجوء والشتات على الصحراويين. فقد حمل الصحراويون جنسيات ووثائق مختلفة، وعاشوا في بلدان متعددة واندمجوا في مجتمعاتها، من دون أن يؤدي ذلك إلى محو هويتهم أو إضعاف ارتباطهم بقضيتهم الوطنية.

«وسع الصحراويون حمل جنسيات مختلفة، وحتى قطنوا أصقاع الأرض واندمجوا وأحفادهم بحرفية، ولم يُلغِ كل ذلك جذورهم ولا جذوة ارتباطهم بقضيتهم الأم».

تتعامل لقراءة نفعي والتي يمكن اعتبارها اعلامية تحليلية وتتغلب عليها شحصية الكاتب الاعلامية اكثر منها قرآة نقابية خاصة انها منشورة على صفحته الشخصية، مع الجنسية بوصفها أداة لحماية الإنسان وتنظيم وضعه الإداري والقانوني. فهي تمنحه القدرة على العمل والسفر والدراسة والاستقرار، لكنها لا تقرر نيابة عنه انتماءه السياسي أو هويته الوطنية.

ويعبّر نفعي عن هذا الفصل بصورة مباشرة:

«مفيد جدًا أن يسوي الصحراوي وضعيته الإدارية والقانونية في كل بلد تقتاده أقداره إليه، أما وضعيته السياسية فتظل سيادية بامتياز».

تكمن أهمية هذا الموقف في مواجهته الخطاب الذي يحاول تقديم الجنسية الإسبانية وكأنها ذوبان في هوية أخرى أو تنازل عن القضية الصحراوية. فالحصول على وضع قانوني آمن لا يلغي الانتماء، مثلما لم تُلغِ الجنسيات التي حملها الصحراويون في بلدان الشتات ارتباطهم بوطنهم.

وتتوقف القراءة كذلك عند لغة المشروع الإسباني، وخاصة استعماله تسمية «الصحراويين» واسم «الصحراء الغربية». فهذه الصياغة تعترف بوجود جماعة بشرية محددة مرتبطة بإقليم محدد، من دون إلحاقها بالهوية المغربية أو استعمال التسميات التي يسعى الاحتلال إلى فرضها.

«ما يمكن التوقف عنده مليًا في قرار مجلس النواب الإسباني هو ما غضّته إسبانيا الرسمية، وهو جوهر القضية، حيث جاء الإقرار نصًا بالصحراويين دون إلصاق أو اتساق استعماري».

المصدر: صفحة نفعي احمد محمد على فيسبوك

البشير محمد لحسن: بين القيمة التاريخية وتعقيدات المسار التشريعي
يقدم الدكتور البشير محمد لحسن، الباحث في الإعلام بجامعة إشبيلية ورئيس تحرير موقع «إسبانيا بالعربي»، القراءة الأكثر التصاقًا بالواقع السياسي والمؤسساتي الإسباني.

«يمثل القرار خطوة أولى في اتجاه الإنصاف التاريخي للصحراويين من جانب إسبانيا».

يرى البشير محمد لحسن أن المشروع يبدأ بالاعتراف القانوني بالهوية الصحراوية ومحاولة تصحيح خطأ تاريخي، لكنه ينبه إلى ضرورة عدم التعامل مع تصويت مجلس النواب وكأن القانون دخل حيز التنفيذ بالفعل.

«التصويت في مجلس النواب الإسباني لا يعني أن المقترح أصبح قانونًا نافذًا، لكنه يمثل أصعب وأهم محطة في مساره التشريعي».

بحسب المسار الرسمي، أقر مجلس النواب المشروع في 10 سبتمبر 2026 بأغلبية 168 صوتًا، مقابل 31 صوتًا معارضًا وامتناع 145 نائبًا، ثم أحاله إلى مجلس الشيوخ. وهناك يمكن المصادقة عليه أو تعديله أو الاعتراض عليه، قبل استكمال بقية المراحل الدستورية. مجلس النواب الإسباني

وتتوقف القراءة عند موقف الحزب الشعبي، الذي يمتلك الأغلبية في مجلس الشيوخ. ويرجح البشير محمد لحسن أن يتجنب الحزب رفض المشروع بصورة صريحة، وقد يكرر موقف الامتناع عن التصويت أو يلجأ إلى إدخال تعديلات عليه. لكنه يؤكد أن ذلك يبقى توقعًا سياسيًا وليس نتيجة محسومة.

كما يشير إلى التحول الذي طرأ على موقف الحزب الاشتراكي، الذي عارض المبادرة عند طرحها سابقًا قبل أن يصوت لمصلحتها. ويكشف هذا التحول أن مشروع الجنسية لا يتحرك بمعزل عن توازنات السياسة الإسبانية وعلاقتها بالمغرب.

وتتقاطع هذه القراءة مع المواقف السابقة في رفض اختزال القضية في الجنسية:

«هذا المكسب لا يحل القضية الصحراوية ولا ينهي مسؤولية إسبانيا، وإنما يمثل خطوة أولى قد تُبنى عليها مطالب أكبر».

المصدر: صفحة البشير محمد لحسن على فيسبوك

محمود خطري: هل تراجع إسبانيا أصل الخطأ أم بعض نتائجه فقط؟
تأتي قراءة محمود خطري، مدير مركز بوزارة الثقافة الصحراوية وشاعر وكاتب ومدون، في صيغة أسئلة سياسية مباشرة. وهي لا تنشغل بتفاصيل الاستفادة من الجنسية بقدر ما تعود إلى اللحظة التي أنتجت المأساة الصحراوية المعاصرة: اتفاق مدريد لسنة 1975.

«هل ستنسحب إسبانيا من مؤامرة مدريد التي خانت بموجبها الشعب الصحراوي؟».

يفتح محمود خطري من خلال هذا السؤال مسافة نقدية بين الاعتراف بحقوق الصحراويين كأفراد، والاعتراف بالمسؤولية السياسية عن تقسيم أرضهم وتعريض شعبهم للاحتلال والتشريد. فإسبانيا تستطيع أن تعالج اليوم بعض نتائج انسحابها من خلال الجنسية، لكن السؤال الأكبر يظل متعلقًا باستعدادها لمراجعة الأساس السياسي الذي قام عليه ذلك الانسحاب.

«بعد مصادقة البرلمان الإسباني بمنح الجنسية للصحراويين، هل ستتخلى أيضًا عن اتفاقية مدريد المشؤومة التي قسمت الصحراء الغربية أرضًا وشعبًا؟».

وتستحضر القراءة موقف موريتانيا، التي كانت طرفًا في اتفاق مدريد ثم انسحبت من النزاع واعترفت بالجمهورية الصحراوية، لتسأل عما يمنع إسبانيا من اتخاذ خطوة مماثلة تجاه الاتفاق وما ترتب عليه.

ما يميز مداخلة محمود خطري أنها لا تكتفي بوصف القانون بأنه إنصاف جزئي، بل تذهب إلى اختبار صدقية هذا الإنصاف: هل تعترف إسبانيا فقط بحقوق الأفراد الذين تضرروا من خروجها، أم تعترف كذلك بأن الاتفاق الذي نظّم ذلك الخروج لم يمنح المغرب سيادة شرعية على الصحراء الغربية؟

بهذا المعنى، تمثل مداخلته جانبًا مهمًا من النقاش الذي دار بين الكتّاب والمدونين الصحراويين. إنها قراءة تنطلق من الذاكرة السياسية، وتضع إسبانيا أمام التناقض بين تصحيح بعض النتائج والإبقاء على أصل الخطأ من دون مراجعة.

المصدر: صفحة محمود خطري على فيسبوك

ختاما: الجنسية بوصفها معركة على تعريف صاحب الأرض
ارى ان هذه القراءات تلتقي عند اعتبار التصويت خطوة إيجابية وتاريخية، لكنها ترفض تحميله أكثر مما يحتمل. فهو يمنح الصحراويين إمكانية استعادة حق قانوني سُلب منهم، ويعيد الاعتراف بصلتهم التاريخية بإسبانيا، لكنه لا يمنح الشعب الصحراوي حقه الجماعي في تقرير المصير، ولا يلغي آثار اتفاق مدريد، ولا ينهي الاحتلال. وتبدو الصياغة القانونية للمشروع ذات دلالة خاصة؛ إذ تسمي المستفيدين «صحراويين»، وتربطهم بأرض محددة هي «الصحراء الغربية». وبذلك تميز، ولو ضمنيًا، بين الصحراوي صاحب الأرض والمستوطن المغربي، وتفشل محاولات إذابة الهوية الصحراوية في التوصيفات المغربية.

غير أن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد الاحتفاء بالتصويت: هل يعبر المشروع مجلس الشيوخ ويصبح قانونًا نافذًا؟ وهل تكتفي إسبانيا بمعالجة المظالم الفردية، أم تجعل من هذه الخطوة بداية لمراجعة موقفها من اتفاق مدريد ومن مسؤوليتها عن استكمال تصفية الاستعمار؟ فالجنسية، وفق القراءات الخمس، ليست بحثًا عن وطن بديل، بل استعادة لحق قانوني. أما الوطن والهوية والسيادة، فتبقى حقوقًا أصلية لا تمنحها وثيقة أجنبية ولا تستطيع أن تلغيها.

وإذا نجح المشروع في تجاوز العقبات المتبقية ودخل حيز التنفيذ، فإن أهميته لن تقتصر على تمكين آلاف الصحراويين من الجنسية الإسبانية وتسوية أوضاعهم القانونية. فثمة أثر سياسي وقانوني أعمق يتمثل في تكريس التمييز بين الصحراوي صاحب الأرض والحق في تقرير المصير، وبين المستوطن المغربي الذي نُقل إلى الإقليم في سياق الاحتلال وسياسة الاستيطان.

فمشروع القانون لا يتحدث عن سكان الإقليم بصورة عامة، ولا يمنح الحق لكل من وُلد أو استقر لاحقًا في الصحراء الغربية، وإنما يحدد فئة قانونية باسمها: الصحراويون المولودون في الصحراء الغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية، مع اشتراط وثائق ووسائل إثبات تؤكد هذه الصفة. وهذه الصياغة تعيد الاعتبار إلى حقيقة حاول الاحتلال المغربي طمسها طوال عقود: أن الصحراء الغربية ليست مجرد مساحة جغرافية متنازع عليها، بل إقليم له شعب أصلي محدد، وهو الشعب الذي يمتلك حق تقرير مصيره والسيادة على أرضه.

ولا يعني ذلك أن القانون الإسباني، بمفرده، سيحسم النزاع الدولي أو يحدد نهائيًا الهيئة الناخبة في استفتاء تقرير المصير؛ فهذه مسائل يحكمها إطار قانوني وأممي أوسع. لكنه سيؤسس، داخل المنظومة القانونية الإسبانية، لتمييز واضح بين الصحراوي بوصفه صاحب رابطة تاريخية وقانونية أصيلة بالإقليم، وبين الوجود الاستيطاني المغربي الناتج عن الاحتلال. ومن هنا تتحول الجنسية من مسألة إدارية فردية إلى عنصر جديد في المعركة القانونية والسياسية التي يخوضها الصحراويون دفاعًا عن هويتهم وحقوقهم الوطنية.

وقد أظهرت الآراء التي تلقتها منصة «انتماء»، سواء من الكتّاب والمحللين والأصدقاء أو من عموم الصحراويين، قدرًا واسعًا من الاتفاق على أهمية القرار من حيث المبدأ، مع التأكيد أن قيمته لا تكمن في جواز السفر وحده. فالقانون، إن اكتمل مساره، سيمنح الصحراويين أداة قانونية إضافية في مواجهة محاولات المغرب الخلط بين الشعب الأصلي والمستوطنين، وتقديم سكان الإقليم وكأنهم كتلة واحدة خاضعة لسيادته.

من هذا المنطلق، تقرأ «انتماء» المشروع باعتباره يتحرك على مستويين متلازمين: إنصاف فردي يعيد إلى الصحراوي حقًا تاريخيًا سُلب منه، ومكسب قانوني جماعي يعزز الاعتراف بالشعب الصحراوي بوصفه صاحب السيادة والحق في تقرير المصير.

إنه لا يحرر الأرض، ولا يبطل اتفاق مدريد، ولا ينهي الاحتلال؛ لكنه يضع داخل القانون الإسباني حدًا فاصلًا حاول الاحتلال محوه: الحد بين الصحراوي والمستوطن، وبين صاحب الحق ومن جاء نتيجة الاحتلال.

ولهذا، فإن السؤال بعد استكمال المسار التشريعي لن يكون فقط: كم صحراويًا سيحصل على الجنسية الإسبانية؟ بل أيضًا: ما النتائج السياسية والقانونية المترتبة على اعتراف إسبانيا، في قانون صادر عن مؤسساتها، بأن للصحراء الغربية شعبًا أصليًا متميزًا يحمل اسم الشعب الصحراوي؟


المصدر: منصة إنتماء 
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.