صفعة للدبلوماسية المغربية من غانا

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

 


إن اعتماد سفير مفوض فوق العادة للجمهورية الصحراوية لدى جمهورية غانا لا يمكن اختزاله في مجرد إجراء بروتوكولي أو محطة دبلوماسية عادية، بل يحمل دلالات سياسية واضحة، خصوصاً في سياق المعركة الدبلوماسية المتصاعدة مع الاحتلال المغربي داخل القارة الإفريقية.
فتقديم السفير الصحراوي السيد الطيب الصديق البشير نسخة من أوراق اعتماده إلى وزير الخارجية الغاني صامويل أوكودزيتو أبلاكوا في العاصمة أكرا، يمثل، من زاوية سياسية، تأكيداً عملياً على استمرار حضور الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في العلاقات الإفريقية الرسمية، وعلى استعداد غانا لمواصلة التعامل معها كطرف دبلوماسي وشريك في العلاقات الثنائية والقارية.

والأكثر أهمية في هذه الخطوة هو ما صدر عن وزير الخارجية الغاني من تجديد ثبات موقف حكومة بلاده تجاه القضية الصحراوية، إلى جانب تأكيد الاستعداد لتعزيز التنسيق والعمل المشترك بين غانا والجمهورية الصحراوية. فالموقف هنا لا يقف عند حدود المجاملة الدبلوماسية، وإنما يأتي في وقت تبذل فيه الدبلوماسية المغربية جهوداً مكثفة داخل القارة الإفريقية لتغيير موازين المواقف بشأن القضية الصحراوية.
فغانا، وهي دولة ذات وزن تاريخي في الحركة الإفريقية التحررية، اختارت أن تؤكد من خلال استقبال السفير الصحراوي وتجديد موقف حكومتها من القضية، أن الانفتاح على المغرب لا يعني بالضرورة التخلي عن المواقف الإفريقية التقليدية القائمة على حق الشعوب في تقرير مصيرها والاستقلال وهنا تكمن أهمية الخطوة.
فالرباط تستطيع تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع عدد من الدول الإفريقية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة نجاحها في إزاحة القضية الصحراوية من أجندة القارة أو تحويل موقف الدول الإفريقية منها.

صفعة دبلوماسية... ولكن بمعناها السياسي
ففي الوقت الذي تحاول فيه الرباط التأثير على الدول الإفريقية بشأن الصحراء الغربية، تأتي أكرا لتبعث برسالة واضحة: العلاقات مع المغرب لا تمنع غانا من الحفاظ على علاقاتها مع الجمهورية الصحراوية، ولا تحول دون تأكيد دعمها لمبدأ تقرير المصير.
وهذا تحديداً ما يجعل الحدث ذا قيمة سياسية تتجاوز مراسم تقديم أوراق الاعتماد.

رصيد تاريخي يتجدد
استحضار السفير الصحراوي للرّصيد التاريخي الذي يجمع الشعبين الصحراوي والغاني ليس تفصيلاً بروتوكولياً.
فالقضية الصحراوية ارتبطت منذ بداياتها بمبادئ حركة التحرر الإفريقية، وفي مقدمتها رفض الاستعمار، واحترام الحدود الموروثة عند الاستقلال، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ومن هذا المنظور، فإن العلاقات الصحراوية الغانية لا تبدأ من الحسابات السياسية الراهنة، وإنما تستند إلى ذاكرة إفريقية مشتركة عنوانها التضامن مع حركات التحرر ورفض الاستعمار.
وقد يكون لهذا البعد أهمية خاصة في ظل محاولة إعادة صياغة النقاش حول الصحراء الغربية بعيداً عن جذوره التاريخية والقانونية باعتبارها قضية تصفية استعمار.

الرسالة الأهم: الجمهورية الصحراوية حاضرة
الجانب الأكثر دلالة في الحدث هو أن الجمهورية الصحراوية لا تزال قادرة على تطوير علاقاتها الثنائية داخل القارة، وتعيين سفراء وتقديم أوراق اعتمادهم، والدخول في مشاورات رسمية مع حكومات إفريقية حول القضايا الثنائية والإقليمية والدولية.

وبالتالي، فإن اعتماد السفير الطيب الصديق البشير في أكرا يبعث برسالة سياسية تتجاوز غانا نفسها:
القضية الصحراوية ما زالت حاضرة في إفريقيا، والجمهورية الصحراوية ما زالت فاعلاً في المشهد الدبلوماسي القاري.
كما أن تأكيد غانا استعدادها لتعزيز التعاون مع الجمهورية الصحراوية يفتح الباب أمام تطوير العلاقات في مجالات متعددة، بما ينسجم مع توجه البلدين نحو تعزيز التضامن الإفريقي والتكامل القاري.
ما حدث في أكرا ليس مجرد صورة لسفير يقدم أوراق اعتماده.
إنه اختبار جديد لمدى قدرة الدبلوماسية المغربية على فرض رؤيتها داخل القارة الإفريقية.

وقد جاءت الرسالة الغانية واضحة: يمكن للرباط أن توسع علاقاتها وأن تعزز حضورها الاقتصادي والسياسي في إفريقيا، لكن ذلك لا يعني أن الدول الإفريقية ستتخلى تلقائياً عن مواقفها المبدئية من قضية الصحراء الغربية التي تبقى اخر قضية تصفية استعمار.
ومن هنا، فإن اعتماد سفير الجمهورية الصحراوية في غانا وتجديد الموقف الرسمي الغاني من القضية يمثلان انتكاسة سياسية للمسعى المغربي الرامي إلى تحييد القضية الصحراوية إفريقيا، وصفعة دبلوماسية هادئة، لكنها ذات دلالة، من أكرا إلى الرباط.
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.