التشبيب الذي يحدث بصمت وبطريقة غير مباشرة

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال

  


ـ بقلم: محمد هلاب

وأنا أتابع تصويت البرلمان الإسباني اليوم لصالح مشروع القانون المتعلق بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين، بعد مسار طويل من العمل السياسي والتشريعي، ومعركة طويلة وصعبة، طبعتها اعتراضات وتحفظات من بعض الأحزاب الإسبانية، وكذا عمل الاحتلال المغربي ما بوسعه للحيلولة دون تمرير هذا القانون، ارتأيتُ أن أحاول الكتابة، ليس عن الموضوع في حد ذاته، بل عن المُساهمين فيه من الشباب، وهو ما أحالني على اختيار العنوان.

ما لفتني في هذا المسار، إلى جانب أهميته السياسية والقانونية، هو الحضور الواضح لجيل جديد من الشباب الصحراوي، ومن بين الوجوه التي ظهرت إلى العلن النائبة من أصل صحراوي، تش سيدي، إلى جانب آخرين يعملون في الكواليس من خلف الستار، سواء في المؤسسات الأوروبية أو من خلال الحضور الإعلامي.

وهذا يأخذنا إلى النقاش المتكرر حول التشبيب، الذي غالباً ما يطغى عليه القول بأن "الآباء المؤسسين ما زالوا يحتكرون المشهد ولا يفسحون المجال للأجيال الجديدة"؛ وهو النقاش الذي قد يكون مشروعا، ونقد طبيعي وضروري، كما أسلفنا في عدة مناسبات ماضية.

إن المشهد اليوم يستحق منا جميعاً أن نقرأه كما هو، لا كما كان، بحيث إذا نظرنا إلى مواقع المسؤولية، سنجد حضوراً واسعاً للشباب، لا يستطيع أحد نكرانه ولا يختلف عليه اثنان، في الجيش، في الحكومة والدبلوماسية والإعلام، وفي كل مؤسسات الدولة والجبهة. الشيء الذي يحيلنا إلى أن الانتقال بين الأجيال حدث بالفعل، وإن لم يحدث مباشرة بشكل يجعل المسافة بين الأجيال بادية؛ بل إنه قد جرى تدريجيا وبهدوء، مع انتقال الشباب إلى مواقع المسؤولية، ومع تراجع حضور عددٍ من الآباء المؤسسين بحكم السن والمرض والوفاة.

ولعل ما يحدث في أوساط الجالية، خاصة في أوروبا مثال واضح على ذلك، حيث نجد شباباً في مقتبل العمر تربوا ونشأوا في أوروبا، استطاعوا أن يحولوا وجودهم فيها إلى أداة جديدة لخدمة قضيتهم، وأن يصلوا إلى البرلمانات ووسائل الإعلام والمنابر الدولية، دون أن تؤثر فيهم الظروف والمتغيرات الجديدة وتفصلهم عن شعبهم وقضيتهم، كما يحدث في مجتمعات عدة مختلفة.

وهذا في حد ذاته جواب على رهان الاحتلال المغربي على عامل الوقت؛ حيث كان يراهن على أن القضية ستنتهي بانتهاء جيل المؤسسين، لكن الذي حدث هو العكس، فقد وجد نفسه أمام نفس القضية انتقلت إلى جيل جديد، بأدوات جديدة، وفي ساحات جديدة.

وعليه، فإننا نحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء في قراءة المشهد؛ فالتشبيب ليس إلغاءً لجيل لحساب جيل آخر، وليس معركة بين الآباء والأبناء؛ بل إنه انتقال طبيعي ومتواصل، يضيف فيه كل جيل إلى ما بناه من سبقه.

وإذا كان هناك شيء يستحق الاحتفاء به اليوم، فهو أن المشعل انتقل بالفعل، وربما حدث ذلك بهدوء إلى درجة أننا لم ننتبه إليه.

أخيراً وليس آخراً، قد يرى البعض أنني شديد التفاؤل، أو متملقاً حتى، وربما أنني لا أرى الأشياء من زاوية الحقيقة، وهذا رأي مُحترم طبعاً، لكن لهؤلاء أقول، لنجلس ونتحدث بلغة الأرقام والوقائع، بعيداً عن الانطباعات والأحكام المسبقة، ولننظر إلى الأسماء والمواقع والأعمار، وإلى تركيبة المؤسسات والجيش والدبلوماسية والإعلام، وإلى من يشغل مواقع المسؤولية اليوم؛ صحيحٌ أن عدداً منهم تجاوز مرحلة الشباب، لكنه حتماً لم يكن حاضراً أيام التأسيس، وإن كان حاضراً، لم يكن فاعلاً بحكم أنه كان صغيراً، لكنه ولج المعترك شاباً كما ولجه اليوم شباب آخرون، إما ولدوا وترعرعوا في اللجوء أو في المناطق المحتلة أو المهجر، عندها فقط يصبح النقاش أكثر إنصافاً، ونعرف ما إذا كان التشبيب مجرد شعار نتداوله، أم واقعا تحقق ويتحقق بالفعل، لكنه -وهذا ما يتركه يخضع للنقاش دائماً- أنه يحدث بهدوء إلى درجة أننا لم ننتبه إليه.
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.