ماذا بقي للمغرب ليدافع عنه في قضية الصحراء الغربية؟ كلما حاول إغلاق ملف، فُتح أمامه من جديد في مؤسسة أخرى، وكلما راهنت الرباط على تثبيت الأمر الواقع، أعاد القانون والتاريخ القضية الصحراوية إلى الواجهة. لم يعد السؤال اليوم: هل ما تزال قضية الصحراء الغربية حاضرة؟ بل أصبح السؤال: كم مرة يمكن للطرح المغربي أن يصطدم بالمؤسسات الدولية قبل أن يعترف بأن السيطرة على الأرض لا تصنع شرعية؟
فمن الساحات الأوروبية، مع قرار محكمة العدل الأوروبية الصادر في 4 أكتوبر 2024، إلى المؤسسات الإفريقية، وآخرها القمة الاستثنائية الحادية والعشرون في لواندا للاتحاد الإفريقي، ومن منظومة الأمم المتحدة، التي اعتمدت خريطة جديدة للعالم تبرز حدود الصحراء الغربية المعترف بها دوليا وتضع المغرب في حجمه الحقيقي، إلى مدريد، يتكرر المشهد نفسه: قضية الصحراء الغربية ترفض أن تُدفن، والشعب الصحراوي يرفض أن يتحول إلى مجرد تفصيل في رواية سياسية كُتبت بعد مغادرة إسبانيا للإقليم.
واليوم جاءت الصفعة من المكان الذي كان يفترض أن يكون الأقرب إلى الرواية المغربية: البرلمان الإسباني.
في 10 سبتمبر 2026، أقرّ مجلس النواب الإسباني مشروع قانون يفتح الطريق أمام منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية قبل 29 سبتمبر 1977، مع إمكانية استفادة أبنائهم وفق الشروط التي يحددها النص. وحصل المشروع على 168 صوتا مؤيدا مقابل 31 معارضا و145 امتناعا، بينما صوّت حزب “فوكس” ضده، وامتنع الحزب الشعبي “PP” و”Junts”.
صحيح أن المشروع لم يصبح قانونا نافذا بعد، وما زال يتعين استكمال مساره التشريعي، بما في ذلك المرور بمجلس الشيوخ والإقرار النهائي والنشر الرسمي. لكن دلالة التصويت السياسية لا تحتاج إلى انتظار الجريدة الرسمية: ملف الصحراء الغربية عاد إلى قلب المؤسسة التشريعية الإسبانية من بوابة التاريخ والحقوق.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى الرباط. فالجنسية ليست مجرد ورقة إدارية عندما يتعلق الأمر بأشخاص وُلدوا في إقليم كانت إسبانيا تديره قبل انسحابها. إنها تفتح الباب أمام تاريخ حاول الطرح المغربي طويلا تجاوزه، وتعيد طرح السؤال الذي لا تستطيع الدعاية المغربية الإجابة عنه: كيف يمكن لاحتلال لاحق أن يمحو هوية شعب أو يعيد كتابة وضع إقليم بأكمله؟
المغرب يستطيع أن يفرض واقعا ميدانيا بالقوة، ويستطيع أن يواصل سياساته المعهودة، كالابتزاز وإغراق أوروبا بالمخدرات والهجرة غير الشرعية، لكنه لا يستطيع أن يفرض على التاريخ أن ينسى، ولا على القانون الدولي أن يغيّر لغته، ولا على الشعب الصحراوي أن يتخلى عن حقه في تقرير مصيره بنفسه، في الحرية والاستقلال التام.
ولهذا، فإن كل محاولة لتقديم الصحراء الغربية كقضية محسومة تصطدم بالحقيقة الأساسية: الإقليم ما زال مدرجا لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره لم يتحول إلى ورقة من الماضي.
أما إسبانيا، الدولة التي أدارت الإقليم لعقود، فتجد نفسها مرة أخرى أمام إرث تاريخي لم تستطع مغادرته بمجرد رفع العلم والانسحاب. فالوثائق والسكان والحقوق والتبعات القانونية بقيت، وها هي تعود الآن إلى البرلمان الإسباني نفسه.
وهذا تحديدا ما يجعل التصويت أكثر من مجرد تعديل في قانون الجنسية.
إنه تذكير بأن التاريخ الذي تريد الرباط دفنه يعود إليها من مدريد، وأن القضية التي تريد تحويلها إلى أمر واقع تعود كل مرة من بوابة القانون.
لم يعد من السهل إقناع العالم بأن الزمن وحده قادر على إسقاط حق شعب. ولم تعد السيطرة العسكرية كافية لإقناع الهيئات الدولية بأن النزاع انتهى. فالقضايا لا تموت لأن قوة ما قررت إعلان نهايتها، والحقوق لا تسقط لأن الخرائط تغيّرت ألوانها.
راهنت الرباط على أن يقتل الزمن قضية الصحراء الغربية، فإذا بالزمن يفضح فشل الرهان ويعيد القضية إلى الواجهة في كل مرة.
فما يُفرض بالقوة لا يصنع شرعية، وما يُحاصر سياسيا لا يموت؛ والشعب الصحراوي باق، وحقه في تقرير المصير والحرية والاستقلال أبقى من كل رهانات الرباط.
بابا السيد لعروسي
إعلامي ودبلوماسي صحراوي
المصدر: الأيام نيوز
