الحلقة الثانية: الشهيد لحبيب محمد عبد العزيز .. حين صار العلم طريقاً إلى الميدان

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
RASD NEWS
المستقلة للأنباء

محتويات المقال


لحبيب.. جيلٌ حمل الراية
كان يمكن أن تكون حياة لحبيب محمد عبد العزيز حياةَ شابٍّ عادي، لولا أن الأقدار شاءت له أن يولد في أرضٍ لا يولد فيها الأطفال كما يولدون في سائر الأرض؛ يولدون فيها وبين أيديهم سؤال الوطن، وفوق رؤوسهم سماءٌ أثقلتها الغربة، وفي قلوب آبائهم ذاكرةُ أرضٍ لم تغب وإن غابوا عنها.
ولد لحبيب سنة 1989 في مخيمات العزة والكرامة بعدما هجرت عائلته من ارضها بسبب الغزو العسكري المغربي للصحراء الغربية في خريف 1975.
ولد في زمن كانت الثورة قد قطعت شوطاً طويلاً من عمرها، وكان جيل المؤسسين قد مضى ببعض أحلامه إلى التراب، وترك للباقين منها أمانةً لا تنقضي بانقضاء الأعمار.
وكان لحبيب واحداً من أولئك الأطفال الذين لم يشهدوا البدايات، ولكنهم ورثوا آثارها؛ لم يسمعوا الولي مصطفى السيد يخطب في جيل الثورة، ولكنهم سمعوا صدى كلماته في أفواه آبائهم ومعلميهم، ولم يكونوا في مقدمة الصفوف يوم حمل الرجال الأوائل السلاح، ولكنهم نشأوا في مدرسةٍ كانت تعلم أبناءها أن الوطن ليس خبراً يُروى، وإنما أمانة تُحمل.

وهكذا بدأ الطريق.
كان أول الطريق كتاباً
قبل أن يصبح لحبيب مقاتلاً، كان طفلاً يحمل كتاب الله.
وقبل أن يعرف معنى الرتبة والقيادة، عرف معنى الكلمة.
وقبل أن يدخل الجامعة، دخل مدرسةً أخرى لا تُرى جدرانها في السجلات الرسمية: مدرسة الأسرة والمجتمع والذاكرة.
تذكر سيرته أنه تلقى تعليمه الأساسي وحفظ كتاب الله وما أعجب أن يجتمع في أول الطريق كتابان: كتابٌ يتلوه القلب، وكتابٌ يقرأه العقل.
ثم كبر الصبي.
فلم يكتف بما حفظ، ولم يقنع بما تعلم، وإنما مضى يطلب من العلم غايته، ومن المعرفة طريقها، حتى وصل إلى الجامعة.

وكانت الجزائر محطته الجامعية.
هناك درس العلاقات الدولية.
هناك جلس في قاعات العلم، يقرأ عن الدول وحدودها، وعن الأمم ومصالحها، وعن السياسة والحرب والسلم، وعن المنظمات التي تجتمع فيها الشعوب لتبحث عن حلولٍ لنزاعاتها.

ولعله لم يكن يعلم يومها أن بعض ما يقرؤه في الكتب سيصبح بعد سنوات جزءاً من حياته.

فمن يدرس العلاقات الدولية يدرس عالم القوة.

ومن عاش قضيةً تبحث عن حقها في الحرية، لا يستطيع أن يظل بعيداً عن ذلك العالم.

---

ما بين الجامعة والميدان

كان يمكن للشهادة أن تكون خاتمة الحكاية.

كان يمكن للشاب أن يقول: لقد أتممت دراستي، وآن لي أن أبحث عن مستقبلي.

وكان يمكن أن يختار طريقاً أكثر هدوءاً، وأن يضع شهادته على جدار مكتبه، ويجلس خلف طاولةٍ يتأمل ما مضى من حياته وما بقي منها.

ولكن لحبيب اختار طريقاً آخر.

اختار أن يجعل من العلم بدايةً لا نهاية.

وفي نوفمبر 2011، وبعد استكمال دراسته العليا، التحق بصفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي.

كان يومها شاباً في مقتبل العمر.

وما أقصر المسافة بين أن تحمل شهادةً في يد، وأن تحمل مسؤوليةً في اليد الأخرى!

ولكنها، في حياة الرجال، قد تكون أطول المسافات وأشدها مشقة.

فالجامعة تعلم الإنسان كيف يفهم العالم.

أما الميدان فيسأله: ماذا ستفعل بما فهمت؟

---

الولي.. حين كان الشباب رسالة لا مرحلة عمرية

ولعل هنا تلتقي سيرة لحبيب بسيرة الولي مصطفى السيد، لا في التفاصيل، فلكل رجل زمانه وظروفه، وإنما في المعنى.

فالولي كان من أولئك الشباب الذين لم ينظروا إلى الشباب على أنه زمن للانتظار، بل جعلوا منه زمناً للفعل.

لم يقل الجيل الأول: سننتظر حتى تكبر أعمارنا ثم نبدأ.

بدأوا وهم شباب.

وحين بدأت الثورة، لم يكن الولي شيخاً جاوزته أيام الحماسة، بل كان شاباً يحمل من الطموح أكثر مما يحمل من السنين.

وهذه إحدى أسرار حركات التحرر:

أنها لا تستطيع أن تعيش على أمجاد الموتى وحدهم.

فالموتى يؤسسون الذاكرة، ولكن الأحياء هم الذين يحملون الراية.

ولهذا كان لا بد أن يأتي جيل بعد الولي.

ثم جيل بعد ذلك الجيل.

ثم جيل ثالث.

وهكذا تمضي القضايا الكبرى من يدٍ إلى يد، كما تمضي الشعلة في الظلام من مصباحٍ إلى مصباح.

---

لحبيب.. ابن الجيل الذي لم يرَ الولي

كان لحبيب في السابعة من عمره تقريباً عندما توفي الرئيس الشهيد محمد عبد العزيز، أما الولي فقد سبقت ولادته بسنوات طويلة.

لم يكن من جيل الرجال الذين عرفوا الولي وجهاً لوجه.

لكنه كان من جيلٍ عرفه من خلال الأثر.

وهنا تكمن قوة الأفكار الكبرى.

فالرجل يموت.

أما الفكرة فلا تموت بموت صاحبها إذا وجدت من يحملها.

لقد مات الولي، وبقيت الفكرة.

ومضى جيل، وجاء جيل.

وفي كل جيل يظهر شخص يقول بلسان حاله:

لم أكن معكم يوم بدأتم، ولكني لن أكون غائباً يوم تحتاجون إليّ.

ولحبيب كان واحداً من أبناء هذا الجيل.

---

العلم لا يناقض التضحية

قد يتساءل البعض:

ما الذي يدفع شاباً درس العلاقات الدولية إلى ترك الطريق الأكاديمي والالتحاق بالجيش؟

ولكن السؤال، في حقيقته، قد يكون مقلوباً.

ربما السؤال الصحيح هو:

كيف يمكن للعلم أن يخدم قضية الإنسان؟

لقد ظلت حركات التحرر الكبرى عبر التاريخ في حاجة إلى المتعلم كما تحتاج إلى المقاتل.

فالثورة التي لا تعرف العالم من حولها قد تخسر معركتها السياسية.

والثورة التي لا تعرف كيف تبني الإنسان قد تخسر مستقبلها.

والثورة التي لا تعرف كيف تجمع بين الفكر والعمل قد تظل أسيرة الكلام.

ولهذا لم يكن التعليم ترفاً في تجارب التحرر.

كان جزءاً من المعركة.

كان القلم وجهاً من وجوه المقاومة.

وكانت المدرسة، في كثير من الأحيان، خندقاً لا يقل أهمية عن خنادق القتال.

---

لومومبا.. ومانديلا.. والشباب الذي لم ينتظر

ولم يكن هذا المعنى خاصاً بالتجربة الصحراوية.

ففي إفريقيا، كان الشباب في قلب كثير من حركات التحرر.

باتريس لومومبا، الذي أصبح رمزاً لاستقلال الكونغو، خاطب الشباب بوصفهم القوة التي ستحمل البلاد بعد رحيل الجيل الذي قاد معركة الاستقلال.

ونيلسون مانديلا، الذي أصبح رمزاً عالمياً لمقاومة الفصل العنصري، عرف هو الآخر أن التحرر لا يصنعه جيل واحد، وأن الشباب كانوا دائماً في مقدمة التحولات الكبرى.

وأميلكار كابرال أدرك أن تحرير الأرض لا ينفصل عن تحرير الإنسان، وأن بناء الوعي شرط من شروط بناء المستقبل.

ولذلك فإن قصة لحبيب لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها قصة شاب صحراوي فحسب.

إنها فصل صغير من كتابٍ كبير اسمه:

الشباب والتحرر.

---

ثم بدأ التكوين من جديد

دخل لحبيب الجيش.

ولكن دخوله الجيش لم يكن نهاية مرحلة التعليم.

كان بداية تعليم آخر.

في سنة 2012 تلقى دورة القوات الخاصة.

ثم خضع خلال 2017 و2018 لتكوين القيادة والأركان.

وما بين الدورتين سنوات من العمل والتجربة والمسؤولية.

فالرجل الذي دخل المؤسسة شاباً بدأ يتعلم كيف يكون مقاتلاً، ثم كيف يكون قائداً.

وكلما اتسعت مسؤوليته، اتسعت حاجته إلى المعرفة.

وهكذا يبدو مساره كأنه سلم طويل:

قرآن.

مدرسة.

جامعة.

جيش.

تكوين.

مسؤولية.

قيادة.

ثم، في نهاية الطريق، شهادة.

---

من حفظ القرآن إلى قيادة الرجال

ولعل أجمل ما في هذه السيرة أن بدايتها ونهايتها تبدوان، لأول وهلة، بعيدتين كل البعد.

طفل يحفظ القرآن.

ورجل يقود لواءً ميدانياً.

ولكن بين الصورتين خيط خفي:

التربية.

فالقيادة لا تبدأ حين يحمل الإنسان رتبة.

تبدأ حين يتعلم أن هناك ما هو أكبر من نفسه.

وتبدأ حين يفهم أن القوة ليست في أن يأمر الآخرين، بل في أن يكون أول من يتحمل المسؤولية.

وتبدأ حين يعرف أن الناس الذين يسيرون خلفه ليسوا أرقاماً، بل أرواحاً وآمالاً وعائلات.
ولعل ذلك يفسر ما روي عن لحبيب من الجدية والانضباط والتواضع ودماثة الخلق والتفاني في أداء المسؤولية.
فالرجل الذي يعرف معنى المسؤولية لا يحتاج دائماً إلى رفع صوته كي يُطاع.
يكفي أن يكون قدوة.

---

الشهادة التي لم تكن على جدار
حين يحصل الإنسان على شهادة جامعية، يعلقها غالباً على جدار.
أما لحبيب فقد علّق شهادته في مكان آخر.
وضعها في حياته.
أخذ ما تعلمه، ومضى.
ولذلك لم تكن شهادته في العلاقات الدولية مجرد ورقة تثبت أنه اجتاز سنوات الدراسة.

كانت جزءاً من تكوين رجل سيصبح لاحقاً واحداً من القيادات العسكرية والسياسية لجيله.

وفي هذا المعنى، ربما يكون أعظم تكريم للعلم ألا يبقى حبيس الورق.

فالعلم الذي لا يتحول إلى مسؤولية يبقى ناقصاً.

والمعرفة التي لا تخدم الإنسان قد تتحول إلى زينة.

أما المعرفة التي يحملها صاحبها إلى حيث يحتاجها الناس، فهي التي تتحول إلى أثر.

---

من الولي إلى لحبيب.. ليست المسافة خمسين عاماً فقط

في سنة 1976 رحل الولي مصطفى السيد.

وفي سنة 2026، بعد نصف قرن، رحل لحبيب محمد عبد العزيز.

بينهما خمسون عاماً من الزمن.

ولكن التاريخ لا يقاس بالسنوات وحدها.

هناك تاريخ تقاس مسافته بما تغير.

وهناك تاريخ تقاس مسافته بما بقي.

تغيرت أشياء كثيرة.

لكن بقي سؤال التحرير.

تغيرت الأجيال.

لكن بقيت الذاكرة.

تغيرت أدوات الصراع.

لكن بقيت الحاجة إلى الإنسان الذي يحمل القضية.

ولهذا فإن العلاقة بين الولي ولحبيب ليست علاقة تشابه شخصي.

إنها علاقة استمرار جيلي.

الولي من جيل أطلق الشرارة.

ولحبيب من جيل وجد الشرارة مشتعلة، فحملها.

---

ولأن الراية لا تحمل نفسها
كل راية تحتاج إلى يد.
وكل فكرة تحتاج إلى إنسان.
وكل قضية تحتاج إلى جيل.
والجيل الذي حمل الراية بعد الولي لم يكن مطالباً بأن يكون صورة عنه.
كان مطالباً بأن يكون وفياً للمبدأ، قادراً على مواجهة زمنه بأدوات زمنه.
وهكذا جاء لحبيب.
درس في الجامعة.
تخصص في العلاقات الدولية.
التحق بالجيش.
تلقى التدريب.
تدرج في المسؤوليات.
وأصبح قائداً.
ثم جاء يوم السابع من يونيو 2026، الذي قدم فيه لحبيب روحه شهيدا على مذبح الحرية 
والأفعال، في حياة الرجال، أصدق من كثير من الكلام.
لقد درس.
ثم خدم.
وتكوّن.
ثم تحمل المسؤولية.
وتدرج.
ثم قاد.
وحين جاء يوم الامتحان الأخير، كان في الميدان.
وهكذا اكتملت الدائرة.
طفلٌ حفظ كتاب الله.
وشابٌ درس العلاقات الدولية.
ومقاتلٌ دخل جيش التحرير.
وقائدٌ حمل مسؤولية الرجال.
وشهيدٌ ترك الراية لمن بعده.
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق في سيرته:
أن الإنسان لا يُقاس فقط بما حصل عليه، وإنما بما أعطاه.
ولا بما جمعه لنفسه، وإنما بما تركه لمن بعده.
فالسنوات تمضي.
والرجال يرحلون.
والأسماء تصير ذكريات.
لكن الراية...
لا تموت.
إنها تنتظر دائماً يداً جديدة.
وذلك هو امتحان الجيل القادم.
يتبع...
الحلقة الثالثة: «نوفمبر 2011.. حين اختار لحبيب الطريق الأصعب»
من خريج الجامعة إلى صفوف جيش التحرير.. اللحظة التي تحولت فيها القناعة إلى قرار، والقرار إلى مسيرة، والمسيرة إلى قيادة.
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.