منذ عقود، لا يتوقف النظام المغربي عن تسويق خطاب “السيادة” و”الاستقلال الكامل”، بينما تكشف وثيقة عقد “إكس ليبان” حقيقة مختلفة تماماً؛ حقيقةُ استقلالٍ صوري، بقيت فيه فرنسا ممسكة بمفاصل الثروة والاقتصاد والقرار، حتى بعد رحيل جنودها عن المغرب وربما الى الأبد ...
فالوثيقة لا تتحدث عن مجرد تعاون أو شراكة، بل عن توزيع واضح للمصالح والثروات، يكشف حجم الامتيازات التي مُنحت لفرنسا على حساب الشعب المغربي لعقود طويلة.
في بند الثروات الطبيعية مثلاً، تشير الوثيقة إلى أن فرنسا تستفيد من:
50٪ من عائدات الفوسفات،
و50٪ من الذهب والفضة،
بينما لا تتجاوز حصة الدولة المغربية 20٪،
وتذهب 30٪ المتبقية للأسرة المالكة.
أي أن الثروة الوطنية، بحسب هذه الوثيقة، لم تكن ملكاً للشعب المغربي، بل جرى تقاسمها بين المستعمر القديم والسلطة الحاكمة، في واحدة من أخطر صور الارتهان الاقتصادي.
وفي قطاع الماء والكهرباء، تتحدث الوثيقة عن استفادة فرنسا بنسبة 90٪ عبر شركات فرنسية تحتكر هذا المجال الحيوي، ما يعني أن أبسط الخدمات المرتبطة بحياة المواطن المغربي بقيت لعقود تحت الهيمنة الفرنسية المباشرة.
أما قطاع الاتصالات، فتؤكد الوثيقة أن فرنسا تستفيد من 50٪ منه، في استمرار واضح للتحكم في البنية التحتية الاستراتيجية للدولة المغربية.
ولا يتوقف الأمر عند الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى النقل والسكك الحديدية، حيث تمنح الوثيقة فرنسا امتيازات طويلة تصل إلى مئة سنة، إضافة إلى استفادتها من مشاريع استراتيجية كبرى مثل القطار فائق السرعة.
وفي الجانب العسكري والصناعي، تبدو التبعية أكثر إذلالاً؛ إذ تتحدث الوثيقة عن منع المغرب من بناء صناعة ثقيلة حقيقية، ومنعه من تصنيع الأسلحة، مع إلزامه بشراء السلاح من فرنسا، علناً أو سراً، حتى يبقى معلقاً دائماً بخيط التبعية العسكرية للمستعمر القديم.
أما أخطر البنود، فهو ذلك المتعلق باللغة والثقافة، حيث تنص الوثيقة على فرض اللغة الفرنسية لضمان استمرار هجرة الأدمغة المغربية نحو فرنسا، بما يجعل التبعية الثقافية والعلمية امتداداً طبيعياً للتبعية الاقتصادية والسياسية.
إنها ليست مجرد وثيقة تاريخية، بل صورة مكثفة لعلاقة غير متكافئة، رُفع فيها العلم المغربي شكلياً، بينما بقيت الثروات والقطاعات الحيوية تحت النفوذ الفرنسي.
والمفارقة أن النظام المغربي، الذي يملأ الدنيا حديثاً عن “الوطنية” و”الكرامة” و”السيادة”، يهاجم بعنف كل من يفتح هذا الملف، لأن مجرد قراءة هذه البنود تفضح حجم التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع.
فأي استقلال هذا، إذا كانت فرنسا تحصل على نصف الثروات، وتسيطر على الماء والكهرباء والاتصالات، وتتحكم في الاقتصاد والثقافة والسلاح؟.
وأي سيادة هذه، إذا كانت بنية الدولة نفسها قد صُممت منذ البداية لتبقى مرتبطة بالمستعمر القديم؟.
إن الدول المستقلة لا تُقاس بالأعلام والخطب والشعارات، بل بامتلاك القرار والثروة والسيادة الاقتصادية الحقيقية. أما أن تتحول البلاد إلى مجال نفوذ دائم لقوة أجنبية، فذلك ليس استقلالاً، بل استعمارٌ مؤجل، غيّر شكله فقط، واحتفظ بجوهره كاملاً.
سلامة مولود اباعلي
